السبت , يونيو 25 2022
الرئيسية / حلول مبتكرة / مودسكول.. مدارس قابلة للفك والتركيب بمشاركة المجتمع
مودسكول.. مدارس قابلة للفك والتركيب بمشاركة المجتمع
مودسكول.. مدارس قابلة للفك والتركيب بمشاركة المجتمع

مودسكول.. مدارس قابلة للفك والتركيب بمشاركة المجتمع


المستوطنات العشوائية هي نمط من أنماط أماكن السكن غير المخطط، تبنى غالبا باستخدام خامات البناء المتاحة في المكان، ولا تتوافر فيها الاشتراطات الصحية والاجتماعية الآدمية للسكن، وهي تختلف عن الأحياء العشوائية التي نراها عندنا، وهي أحياء بنيت بالطرق المعتادة (خرسانة وطوب أحمر) على أراض زراعية دون مراعاة شروط التخطيط العمراني للمدن والأحياء.

النمط الأول ينتشر في كثير من مناطق جنوب العالم، ومن بين تلك المستوطنات، تلك الموجودة على السهول الفيضية لنهر يامونا Yamuna River على أطراف مدينة دلهي الهندية، والتي يسكنها عدد من المزارعين شديدي الفقر، والذين على الرغم من فقرهم كانوا قد بنوا مدرسة لأبنائهم في المنطقة منذ عام 1993 تضم 200 تلميذ.

وفي عام 2011 قامت السلطات في مدينة دلهي بهدم المدرسة بدعوى أنها “غير قانونية”، ويبدو أن السلطات قامت بهذا الإجراء كجزء من عمليات إخلاء قسري تتم سنويا لتلك المستوطنات، وبعد أن تواصل السكان مع السلطات مطالبين بحقهم في تعليم أبنائهم، حصلوا على موافقتها على إعادة بناء المدرسة، لكن السلطات اشترطت عليهم أن يكون البناء “مؤقتا”، بحيث يتم إزالته وقت الحاجة.

وهنا وفي عام 2016 تحديدا، لجأ السكان لأحد المكاتب المعمارية التي تنتهج نهجا اجتماعيا في أعمالها، وهو مكتب “تشاركية التصميم الاجتماعي أو Social Design Collaborative” وهو مكتب يرفع شعار: تصميم وفن وممارسة بحثية يقودها المجتمع لتوفير الوصول إلى التصميم للجميع من خلال المشاريع التعاونية أسسته المهندسة المعمارية الشابة سواتي جانو Swati Janu التي كانت قد عادت من دراسة ماجستير في التنمية الحضرية المستدامة من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، وآثرت ألا تمضي في الطريق المهني التقليدي لأمثالها، وأسست هذا المشروع.

كان من اتصل بالمكتب هم أهالي مجتمع يامونا خادار Yamuna Khadar وهي مستوطنة للمزارعين في السهول الفيضية لنهر يامونا Yamuna في دلهي، وهو مجتمع ريفي يقع داخل المدينة ولكنه بعيد عنها، وهو متصل فقط بطريق ترابي إلى أقرب طريق رئيسي. بالنسبة للمزارعين هناك، لا يمكنهم الوصول إلى وسائل النقل العام بأسعار معقولة، ومن ثم فلكي يصلوا للطريق العام إما أن يستخدموا الدراجات أو يسيروا على أقدامهم عدة أميال.

كان طلب الأهالي هو بناء ” مدرسة مؤقتة يمكن تفكيكها قبل أن تتمكن الجرافات أن تصل إلى الأرض لهدمها”، ومن ثم بدأ المكتب، وفقا لما هو وارد على موقعه على الإنترنت، في تطوير تصور لتصميم مدرسة يمكن تفكيكها بسرعة لحمايتها من عمليات الهدم، وتم تكييف التصميم بما يتناسب مع أوضاع المكان، وفي الوقت نفسه، روعي أن تكون المدرسة ميسورة التكلفة وسهلة الصيانة ويتم تطويرها بشكل وثيق مع المجتمع حتى تتمكن من تلبية احتياجاتهم بالضبط.

ومن خلال العديد من المشاورات مع العاملين في المدرسة خلال عام 2016، ظهر التصميم المعياري لمدرسة منخفضة التكلفة يمكن بناؤها في غضون أيام قليلة وتفكيكها في غضون ساعات قليلة. وبمساعدة مهندس إنشائي تم تصميم الهيكل كإطار فولاذي مثبت بمسامير، بطريقة يمكن تركيبها بسهولة، وتفكيكها بسرعة عند الحاجة.

وتقرر أن تكون الجدران والأبواب والنوافذ مصنوعة من وحدات من الخيزران والخشب المعاد استخدامه والعشب المجفف، وهي مواد يستخدمها المزارعون عادة لبناء منازل في المنطقة. كما قام الفريق، بمساعدة المهندس، بجمع أموال لبناء المدرسة بلغ مجموعها 7000 دولار أمريكي.

وتحت قيادة ناشط شبابي محلي تم بناء المدرسة أخيرا بشكل عملي في أقل من 3 أسابيع في صيف عام 2017، وقد قام بالبناء طلاب المدرسة والعاملون فيها وأولياء الأمور من القرية، جنبا إلى جنب مع حوالي 50 متطوعا من خارج القرية سمعوا عن المشروع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتظهر للوجود المرحلة الأولى من مشروع “مودسكول Modskool”.

وبعد عام على بناء تلك المرحلة، تطلب الأمر الانتقال إلى مرحلة ثانية، فتم تفكيك المدرسة ليتم نقلها إلى موقع جديد إلى الجنوب من النهر. وبينما استخدمت المدرسة في الموقع الأول مواد بناء محلية من حولها مثل الخيزران والعشب المجفف، تم بناؤها في موقعها الثاني باستخدام المهارات التي تتوافر لدى الأهالي الذين يمارسون حرفة تشارباي “charpai” المحلية، وهي حرفة تستخدم خامة نباتية لنسج أسرة تقليدية للأطفال يشيع استخدامها في المنطقة. ومن ثم تم إعادة إنشاء المدرسة، واستعارة المواد والممارسات من موقعها الجديد، ومن ثم ظهرت المرحلة الثانية من مودسكول.

النهج الفريد الذي اتخذ في هذا المشروع كما هو واضح يعتمد على عدة عناصر: أولا مشاركة الأهالي في كل ما يخص المشروع من التصميم إلى التنفيذ. ثانيا الاعتماد على الخامات والمهارات والخبرات المحلية في البناء مع بعض الإضافات الحديثة. ثالثا تلبية الاحتياج الأساسي للعميل (التلاميذ في مجتمعات المزارعين المعرضين دائما للإخلاء القسري) بأن يكون المشروع منفذ قابلا للتركيب والفك في زمن قياسي. وقد ساعد كل ذلك في خلق شعور بالملكية والفخر داخل المجتمع.

لكن النهج لم يقتصر على ذلك بل إنه كان يستبطن أهم غرض لهذا المشروع وهو “التعليم”، ومن ثم، وفي موقعي المدرسة، عكس تصميم المدرسة نهجا يركز على التعليم الشامل والمستدام، حيث تساعد الأبواب والنوافذ المحورية المتعددة في خلق بيئة تعليمية مفتوحة للأطفال، قريبة من الطبيعة.

أمر آخر، متعلق بالموقع شبه الحضري للمدرسة عند تقاطع المناطق الحضرية والريفية في دلهي، ومن ثم مثل المشروع نقطة التقاء بين ممارسات البناء الحديثة باستخدام الخرسانة والصلب في الهيكل والأرضيات من ناحية، وممارسات وخامات ومهارات البناء التقليدية باستخدام المواد الطبيعية مثل الخيزران والخشب والعشب من ناحية أخرى، ومن ثم استجاب تصميم المدرسة لهذين الواقعين المتضاربين ولكن المدمجين في آن.

وبسبب كل تلك الخصائص الفريدة لمشروع مدرسة مودسكول، كانت المكافأة هي فوز المشروع بجائزة بيزلي للتصميمات Beazley Design Awards 2020 عن فئة العمارة لعام 2020، وهي الجوائز التي يقدمها متحف التصميمات Design Museum في لندن بالمملكة المتحدة.

د. مجدي سعيد


شاهد أيضاً

حامد الموصلي.. المزج ما بين البحث العلمي والتطبيق العملي من أجل التنمية

اشتعل الرأس شيبا، ونحل الجسد، وبدا عليه وهن العمر الذي تجاوز واحدا وسبعين عاما، لكن …