الثلاثاء , أكتوبر 19 2021
الرئيسية / حلول مبتكرة / حكاية “أبو القنبلة النووية الباكستانية”.. عبد القدير خان الذي توفاه الله اليوم
حكاية "أبو القنبلة النووية الباكستانية".. عبد القدير خان الذي توفاه الله اليوم
حكاية "أبو القنبلة النووية الباكستانية".. عبد القدير خان الذي توفاه الله اليوم

حكاية “أبو القنبلة النووية الباكستانية”.. عبد القدير خان الذي توفاه الله اليوم


في 18 مايو 1974م نفذت الهند بنجاح أول تجربة لترسانتها النووية بالقرب من حدودها مع باكستان، وقامت الهند بتسمية تلك العملية باسم رمزي يحمل دلالة دينية «بوذا المبتسم» «Smiling Buddha»، حيث  يُنظر إلى بوذا في الهندوسية بوصفه يجسد الصورة الرمزية للإله الهندي «فيشنو»، وهو الإله الأعلى أو الحقيقة العليا في الهندوسية .

بعد تلك العملية النووية التي فاجأت بها الهند جارتها باكستان، تلقى المسؤولون الباكستانيون رسالة سرية بعث بها شاب باكستاني يعمل في هولندا كخبير معادن، يعرض فيها خدماته على الحكومة الباكستانية، واستعداده لترك هولندا للانضمام لهيئة الطاقة النووية الباكستانية «PAEC»، إلا أن المسؤولين الباكستانيين قللوا من شأن ذلك الشاب المتحمس وتساءلوا عن ما يمكن لخبير معادن القيام به في هيئة الطاقة النووية الباكستانية، ولكن ذلك الشاب الجريء لم ييأس، وبعث برسالة سرية أخرى، هذه المرة إلى رئيس الوزراء الباكستاني شخصيًا (ذو الفقار علي بوتو)، يخبره فيها عن استعداده لتقديم كامل خدماته وخبراته التي اكتسبها من الشركة التي يعمل بها، رئيس الوزراء الباكستاني الذي تلقى الرسالة أراد معرفة المزيد عن هذا الشاب المجهول، فكلف المخابرات الباكستانية «ISI» بجمع معلومات عنه وتقديم تقييم نهائي عن كفاءته، بعد ذلك جاء التقرير النهائي من المخابرات الباكستانية:

ولد هذا الشاب في  مدينة «بوبال» في الهند عام 1936م أثناء فترة الاحتلال البريطاني وقبل انفصال باكستان عن الهند، كان والده عبد الغفور خان مدرسًا تقاعد عام 1935م، لذا نشأ هذا الشاب تحت جناح أبيه المتفرغ لتربيته ورعايته، وكانت والدته سيدة تقية تلتزم بالصلوات الخمس ومتقنة للغة الأوردية والفارسية، لذلك نشأ ابنها متدينًا ملتزمًا بصلواته، حتى تخرج من مدرسة الحامدية الثانوية ببوبال، ثم هاجر إلى جمهورية الهند في عام1952م للعيش بباكستان الإسلامية، حتى تخرج من كلية العلوم بجامعة كاراتشي عام 1960م، وعمل في وظيفة مفتش للأوزان والقياسات، إلا أنه استقال منها بعد ذلك لأنها لا تلبي طموحه، ورغبته بتطوير قدراته، فسافر إلى ألمانيا لاستكمال دراسته بجامعة «برلين التقنية»، حيث أتم دورة تدريبية لمدة عامين في علوم المعادن، ثم نال الماجستير عام 1967م من جامعة «دلفت» التكنولوجية بهولندا، أثناء تلك الفترة كان ذلك الشاب يحاول مرارًا الرجوع إلى باكستان والعمل على خدمة أبناء شعبه، فتقدم لوظيفة لمصانع الحديد بكراتشي بعد نيله لدرجة الماجستير، ولكن رفض طلبه بسبب قلة خبرته العملية، فقرر إكمال دراسته في بلجيكا لينال درجة الدكتوراه عام 1972م من جامعة «لوفين» البلجيكية، قبل أن يحصل على عقد للعمل في شركة «FDO» التي كانت يومها على صلة وثيقة بمنظمة «يورنكو» «Urenco» المختصة بالوقود النووي وإدارة محطات تخصيب اليورانيوم.

وبعد تلك المعلومات، ختمت المخابرات الباكستانية تقريرها التي رفعته لرئاسة الوزراء الباكستانية عن ذلك الشاب بأنه غير كفء للعمل في البرنامج النووي السري لباكستان.

ولكن يبدو أن رئيس الوزراء الباكستاني لمس في كلمات رسالة هذا الشاب إصرارًا عجيبًا وثقة كبيرة بالنجاح، فتساءل عن السبب الذي يدفع شابًا في مقتبل العمر لترك وظيفة ممتازة في بلد أوروبي لكي يعود إلى بلده التي تعتبر من بلدان العالم الثالث، فطلب من رئيس هيئة الطاقة النووية الباكستانية أن يرسل وفدًا سريًا لمقابلته في هولندا للوقوف على مدى جدية عرضه، وفعلاً سافر وفد سري من وكالة الطاقة النووية الباكستانية إلى مدينة ألميلو «Almelo» الهولندية التي يعيش فيها، وما هي إلا ساعات من المقابلة حتى غادر ذلك الوفد هولندا، تاركًا توصية مستعجلة لرئيس الوزراء الباكستاني ينصحه فيها بالاستفادة من جهود ذلك الشاب، فبعث ذو الفقار علي بوتو برسالة سرية إليه يطلب منه القدوم إلى باكستان لمقابلته، وفعلًا تمت المقابلة السرية في باكستان، وبعدها ترك ذلك الشاب هولندا بشكل مفاجئ، لتجري السلطات الهولندية تحقيقات مكثفة عنه في إمكانية تسريبه لمعلومات نووية خطيرة عالية السرية إلى باكستان، إلا أن السلطات المختصة لم تستطع إثبات أي تهمة عليه، لينضم بعدها إلى وكالة الطاقة النووية الباكستانية.

وبعد انضمامه للعمل في وكالة الطاقة النووية الباكستانية، عمل عبد القادر خان على تطوير أسلوب العمل في الوكالة، وأنشأ في عام 1976م معامل هندسية للبحوث في مدينة «كاهوتا»، الذي غير اسمها رئيس باكستان حينها ضياء الحق في عام 1981م إلى «معامل الدكتور عبد القدير خان للبحوث» تقديرًا لجهوده، حيث أصبحت هذه المعامل بؤرة لتطوير تخصيب اليورانيوم لتطوير المشروع السري لبرنامج الأسلحة الباكستانية النووية، وقام بها العالم الإسلامي الكبير عبد القدير خان باستخدام طريقة مبتكرة في تطوير المفاعلات النووية اختصرت على باكستان عشرات السنوات، حيث أن البرنامج النووي الباكستاني الذي أتمه عبد القدير في 6 أعوام فقط عادة ما يستغرق عقدين من الزمان، وفي عام 1981 نشر عبد القدير كتاب «القنبلة الإسلامية» بالإنجليزية.

وفي 11 مايو 1998م بدأت الهند بإجراء تجربة نووية ثانية أسمتها «عملية شكتي»، وهي أيضًا كسابقتها تحمل اسمًا دينيًا، حيث أن شكتي هي آلهة لإحدى طوائف الهندوس، وتعني القوة أو الطاقة، وهي في الهندوسية ترمز إلى الجانب الأنثوي للآلهة، ويشار إليها أحيانا بالأم الإلهية.

عندها جاءت لحظة الحقيقة…

فبعد تلك العملية الهندية بأيام معدودة، وبالتحديد في 28 مايو 1998م، قامت جمهورية باكستان الإسلامية بتنفيذ أول تجربة انفجار لقنبلة نووية انشطارية في تاريخ الأمة الإسلامية، هذه العملية عرفت بـ «عملية تشاغاي 1» (نسبة للمكان الذي أجريت فيه التجربة)، ثم أعقبتها تجرية ثانية بعد يومين فقط أطلق عليها اسم «عملية تشاغاي 2»، وأعلن بطل هذه العملية الدكتور عبد القدير خان للعالم بأسره بأن القنبلة النووية الباكستانية تتفوق على القنبلة الهندية، حيث استخدم عبد القدير خان في قنبلته النووية مادة «اليورانيوم المخصب»، في حين استخدمت الهند تكنولوجيا قديمة تعتمد على «البلوتونيوم من الوقود المستنفذ»، ثم أعلن أمام الصحفيين بأنه إذا ما صدر الأمر السياسي له، فإنه على استعداد لتركيب تلك الرؤوس النووية الباكستانية خلال أيام معدودة على الصاروخ الباليستي «حتف 5 غوري 1».

ولكن ما هو الصاروخ الباكستاني؟ وما سر تسميته بهذا الاسم العجيب؟!

«Hatf–5 Ghauri–I»: هو صاروخ باليستي متوسط المدى صممه الدكتور عبد القدير خان في «معامل الدكتور عبد القدير خان للبحوث»، يصل مداه إلى 1500 كيلومتر، ويستطيع الوصول إلى كبريات المدن الهندية، واختار له الدكتور عبد القدير خان هذا الاسم الرائع الذي يحمل مدلولات كبيرة، حيث أن   حتف  Hatfهو اسم سيف رسول الله ، ويعني في نفس الوقت الموت والهلاك، وغوري Ghauri نسبة للبطل الإسلامي التاريخي شهاب الدين محمد الغوري الذي ظهر في نهاية القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي، وأسس دولة إسلامية حاربت الهندوس في الهند، فتحالف جميع ملوك الهندوس عليه وهزموه وأصيب بإصابات بالغة، إلا أنه عاد واسترجع قواه وأعد العدة، وخاض مع تحالف جيوش الهندوس معركة مصيرية استطاع أن ينتصر فيها على تحالف قوى الهندوس انتصارًا ساحقًا قتل فيه عشرات الآلاف من الجيش الهندوسي على رأسهم ملك ملوك الهندوس (بريتي)، ليؤسس بعدها الملك المسلم شهاب الدين الغوري دولة الغوريين الإسلامية في الهند.

وبعد نجاح التجربة النووية لباكستان عام 1998 أطلق العالم الباكستاني المسلم عبد القدير خان هذا التصريح:

«الآن فإن الهند تعلم أننا أيضًا نمتلك أسلحة نووية، وسيقومون بالتفكير عشر مرات قبل القيام بغزونا!»

رحم الله العالم الباكستاني المسلم عبد القدير خان وأسكنه فسيح جناته.

من “كتاب مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ” لجهاد الترباني