الأربعاء , أغسطس 4 2021
الرئيسية / عباقرة / شهداء العلم / من مسقط رأسه في السعودية مرورًا بغزة العزة.. سيرة ومسيرة العالم الشهيد “فادي البطش”
الذكرى الثالثة لاغتيال الباحث الفلسطيني فادي البطش بـ كوالالمبور
الذكرى الثالثة لاغتيال الباحث الفلسطيني فادي البطش بـ كوالالمبور

من مسقط رأسه في السعودية مرورًا بغزة العزة.. سيرة ومسيرة العالم الشهيد “فادي البطش”


“فادي البطش” عالم فلسطيني ولد بالمملكة العربية السعودية واغتيل على أيدي جهاز الموساد الإسرائيلي, حيث تعرض لعدة رصاصات أثناء توجهه لصلاة الفجر في مسجد يقع قرب مقر سكنه في العاصمة كوالالمبور، مما أدى إلى استشهاده على الفور.

رحلة الشهيد بإذن ربه “فادى البطش”, تحمل الكثير والكثير من المعاني والعبر, حيث كانت رحلة الراحل (على صغرها) زاخرة بالأخلاق, والعطاء والعلم، بدأت منذ نبوغه في مراحله الدراسية الأولى، وحفظه للقرآن الكريم، وما اتسمت به جوانب شخصيته من تميز وأخلاق وعلوٍ في همته وإتقانٍ في حمل قضيته.

لقد كان “فادى البطش” رحمه الله سفيراً لفلسطين من محل إقامته في غربته بـ” كوالالمبور”, حيث كان يحاضر فى جامعتها, كان للشهيد العديد والعديد من البصمات في كل البلاد التي كان يزورها أثناء مشواره البحثي, سواء كان مشاركاً في المؤتمرات العلمية أو رئيساً لبعض جلساتها، فلم يترك منبراً دون أن يحشد لقضيته ويفضح ممارسات الاحتلال وإرهابه بحق شعبه.

اتهمت عائلة الدكتور فادي البطش في غزة جهاز الاستخبارات الإسرائلية (الموساد) بالضلوع فى هذه الجريمة، ونقلت وكالة رويترز عن نائب رئيس الوزراء الماليزي أن منفذَي اغتيال البطش على صلة باستخبارات أجنبية؛ فقد أكد على أن المنفذ من القوقاز وأنهم سيطلبون من الشرطة الدولية تعقب منفذي اغتيال البطش.

بداية الرحلة العلمية

ولد العَالِم الفلسطيني، الذي عَمِل محاضراً في جامعة ماليزية خاصة، في مدينة تبوك السعودية في سنة 1983، وعاد إلى مدينة جباليا الفلسطينية، شمالي قطاع غزة، في سنة 1998.

وأحبَّ العلم منذُ صغره، ونشأَ على ذلك، وكان موسوعةً علميَّةً في كل شيء، حافظاً لكتاب الله، إذا تكلم في العلوم الشرعية قلْتَ هذا العالم الفقيه، وإذا تكلم باللغةِ العربيةِ وآدابها قلْتَ هذا العالمُ البليغُ، مع إلمامهِ بعلمِ التكنولوجيا، والهندسة، والإلكترونيات.

وغادر فادي البطش عام 2010 قطاع غزة، متوجها إلى ماليزيا من أجل الحصول على شهادة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية؛ حيث أتم ذلك، ولم يتمكن من العودة إلى غزة بسبب الحصار.

كان البطش طموحاً جداً، يسعى للأفضل دوماً، لا يتوقف عن العلم والعمل، أنهى دراسة الدكتوراه تخصص (إلكترونيات القوى) قسم الهندسة الكهربائية في سنة 2015، من جامعة مالايا –كوالالمبور ماليزيا.

وأعدّ، خلال دراسته الدكتوراه، بحثاً عن رفع كفاءة شبكات نقل الطاقة الكهربائية باستخدام تكنولوجيا إلكترونيات القوى. ونشر البطش 30 بحثاً محكماً في مجلات عالمية ومؤتمرات دولية، وشارك في مؤتمرات دولية، وحصل على العديد من الجوائز العلمية الرفيعة.

وحصل البطش على جائزة منحة الخزانة الماليزية عام 2016، بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية (إلكترونيات القوى)، وتحقيقه جملة من الإنجازات العلمية والعملية التي أهّلته للفوز بالجائزة، أولَ عربيّ يتوج بها، وكان يعمل محاضرا في جامعة خاصة بماليزيا، كما أنه إمام لأحد المساجد، وينشط في عدّة جمعيات ومنظمات خيرية وإنسانية.

الشهيد العالم فادي البطش وأطفاله الصغار

وتتضمن دراسة الدكتوراه للبطش بحثًا حول “رفع كفاءة شبكات نقل الطاقة الكهربائية باستخدام تكنولوجيا إلكترونيات القوى”، إذ نجح في إيجاد جهاز يعتمد تصميمه على تكنولوجيا إلكترونيات القوى، ومن ثم توصيله بشبكة نقل الطاقة الكهربائية، وتحسين كفاءة الشبكة بنسبة تصل إلى 18 في المائة.

وحقق البطش إنجازات أكاديمية أخرى، حيث نشر 18 بحثًا محكمًا في مجلّات عالمية، وشارك في أبحاث علمية محكّمة في مؤتمرات دولية، وفاز بجائزة أفضل بحث في مؤتمر الشبكة الذكية في المملكة العربية السعودية، كما حصل على المركز الأول في مسابقة تعنى بتلخيص أبحاث الدكتوراه لغير المختصين في صفحة عرض واحدة ثابتة لثلاث دقائق.

خاتمة تلخص الحياة

وثقت زوجة الشهيد البطش؛ السيدة “إيناس حمودة”، سيرة حياة زوجها العطرة في كتاب منشور، لتكون نبراسًا يضيء الطريق لكل باحث عن قدوة. وحمل الكتاب عنوان: (الشهيد العالم فادي محمد البطش.. خاتمة تلخص حياة).

تقول إيناس تمهيدا للكتاب: “.. أمّا عني فقد قطعتُ عهدًا على نفسي من لحظة استشهادك أن أنشر سيرتك العطرة في كل مكان وبأي وسيلة وباختلاف الطرق، ولن أسمح للزمن بطيّها بإذن الله تعالى، وقد جاء عن الإمام السخاوي (من أرّخ مؤمنًا فكأنما أحياه، ومن قرأ تأْريخه فكأنما زاره)، لذلك كان هذا الكتاب المتواضع صدقة جارية عن روحك الطاهرة. أعتذر منك لم ولن أوفيك حقك، لكن هذا جهد المقل.

وعلى الرغم من بعد المسافة عن الوطن، ظلّت القضية الفلسطينية في قلب البطش وعقله، حمل همها معه حيث حلّ. وكان سفيراً لفلسطين في محل إقامته، وفي كل منصة اعتلاها، فلم يترك منبراً دون أن يحشد لقضيته ويفضح ممارسات الاحتلال وإرهابه بحقّ الشعب الفلسطيني. وقال شهيدنا بعد حصوله على منحة “خزانة” الحكومية الماليزية: “أردنا أن نوصل رسالة للعالم أن الفلسطيني مصرّ على إبداعه، ولا توقفه أي حدود”.

ركز الإعلام الصهيوني على حادث اغتيال البطش، وعدّه “مهندس حماس في ماليزيا”، و”المهندس الكهربائي”، و”الخبير في الطائرات بدون طيار في ماليزيا”. وحرصت تلك الوسائل، منذ البداية، على تسويق تبرير الاغتيال من خلال الادعاء بأن الشهيد هو من أعضاء كتائب الشهيد عز الدين القسام، وتحدث عن الطائرات بدون طيار وعن تطوير الصواريخ والغواصات بدون غواص.

أفراد أسرة الشهيد فادي البطش

دوافع الاغتيال

وبعد وقوع جريمة الاغتيال، تحدثت الصحافة “الإسرائيلية” التي تخضع لإملاءات المخابرات عن روايات أخرى لدوافع الاغتيال.

وأشارت التحليلات أن الرعب “الإسرائيلي” من عقل العالم البطش، وما قد تتوصل إليه أبحاثه “المنشورة” بمجلات عالمية محكمة من تقنيات بارعة تتفوق على التكنولوجيا “الإسرائيلية” في مجاله العلمي، هو الذي عجل باستهدافه بعملية غادرة على حين غرّة، فالشهيد العالم البطش لم يكن متخفيا، وكان يمارس حياته طبيعيًّا.

الهدف من الاغتيال، كما قرأه في حينه المختص في الشأن الإسرائيلي، صلاح الدين العواودة، كان أبعد بكثير من مسألة الصواريخ والطائرات بدون طيار ومحاولة تطويرها أو وصول تقنيتها لحركة حماس، كما حاول الاحتلال الترويج لها بعد عملية الاغتيال مباشرة.

العواودة، رصد بما لا يدع مجال للشك مؤشرات تظهر مخاوف الاحتلال من “تكنولوجيا ومعارف حصرية كانت تستخدمها دول محدودة في العالم على رأسها “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية، وعندما تمكن العالم البطش من اكتشافها والعمل على تطويرها، أصبح محل استهداف واضح.

هذه التكنولوجيا، كما يرى العواودة، كانت خطورتها بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي أن تصل إلى دول مثل تركيا وماليزيا، وليس فقط إلى قطاع غزة.