الإثنين , مارس 1 2021
الرئيسية / البحث العلمي ورؤية المملكة 2030

البحث العلمي ورؤية المملكة 2030

البروفيسور محمد بن حمود الطريقي

أستاذ الهندسة الطبية.. ورئيس مؤسسة العالم
ومستشار موهوبون للابتكار والاختراع والاقتصاد المعرفي والتنمية المستدامة

يُعد البحث العلمي إحدى الركائز الأساسية التي تعوّل عليها «رؤية المملكة 2030» الهادفة إلى نقل الاقتصاد الوطني من الاعتماد على النفط، والتحوُّل إلى اقتصاد المعرفة. وأدى ذلك إلى دفع مكانة المملكة في المؤشرات الدولية الخاصة بالبحث العلمي، ثماني درجات إلى الأعلى، من المرتبة التاسعة والثلاثين إلى المرتبة الحادية والثلاثين بين دول العالم، والأولى عربياً.

وأظهرت نتائج مؤشر مجلة «نيتشر» Nature لعام 2020، تقدّم السعودية عالمياً في حصة البحث العلمي، وقد شاركتها الإمارات، في قائمة الـ 50 العالمية لأكثر الدول حصة في الأبحاث العلمية. ويُعد التميز في البحث العلمي السعودي في الوقت الراهن على المستوى العالمي، تتويجاً لجهود حثيثة بُذلت، ولنفقات سخية سُخّرت، لخدمة التعليم في أعلى مستوياته.[1]

ولم يكن مستوى دعم البحث العلمي في السعودية في السابق جيداً، فقد كان البحث العلمي يعاني من ضعف المخصصات في ميزانيات الجامعات السعودية، مما أثر على أهم القدرات والأهداف في الجامعات السعودية، وما يتصل بتلك الأهداف من دعم الباحثين، وتنمية البيئة البحثية العلمية. على سبيل المقارنة الاحصائية مثلا، نجد أن المملكة أنفقت على البحث العلمي 1,8 مليار عام 2012، مقابل 6,2 مليار أنفقتها مصر في عام 2013. في هذا الصدد أنفقت إسرائيل 18,6 مليار على البحث العلمي في عام 2018، والصين 275 مليار لنفس العام. وتتصدر الولايات المتحدة الانفاق العالمي على البحث العلمي: 511,1 مليار دولار في عام 2016.

وفي العام 2007، نشرت بعض وسائل الإعلام قائمة جاء فيها سوء تقويم الجامعات السعودية على المستوى العالمي. وبناءً على هذا التقييم، بدأت الجامعات تتوجه نحو البحث العلمي وتنميته فتضع الخطط والبرامج لتطويره ودعمه.

وفي عام 2012، ظهرت المملكة لأول مرة على الخريطة العالمية للبحث والتطوير في تقرير مجلة «باتيل» وكان هذا هو الظهور الأول لدولة عربية ضمن هذا التقرير، لكنها خرجت منه في عام 2013، لتعود إليه في 2014، ترافقها دولة عربية أخرى هي قطر.

وأفاد تقرير «رويترز طومسون» لأداء البحث والابتكار في دول مجموعة العشرين، في 2012، أن ملف المملكة في البحث والابتكار ينمو بسرعة هائلة، لكنه لا يزال منخفضاً مقارنة بما يجب أن يكون عليه في دولة من مجموعة العشرين. وأشار التقرير نفسه في موضع آخر إلى أن نسبة سعودة الأبحاث ترتفع باطراد.

وفي أبريل 2016، صدر «مؤشر نيتشر للأبحاث العلمية 2016 – المملكة العربية السعودية»، ليكشف أن المملكة أظهرت أعلى معدل نمو في البحوث العلمية عالية الجودة في غرب آسيا، تزامناً مع تصدر الجامعات السعودية الترتيب عربياً في معظم تصنيفات الجامعات العربية. واستناداً إلى «مؤشر نيتشر»، فقد ازدادت مساهمة المملكة في نشر أوراق البحث العلمي العالي الجودة بمعدل أكبر من أي بلد آخر في غرب آسيا، وحلّ النمو الذي حققته بين عامي 2012 و2015، والذي قدَّره المؤشر بنسبة %85، في المركز الثامن بين أعلى معدلات النمو على مستوى العالم.[2]

أبحاث حبيسة الأدراج

غير أن ثمة مشكلات عدة تواجه البحث العلمي في المملكة، بما يحول دون إسهام الباحثين السعوديين في تنفيذ «رؤية المملكة 2030» على النحو المنوط بهم. ووفق بعض الباحثين، فإن مطالبات كثيرة من الباحثين السعوديين في مواقع التواصل الاجتماعي إلى ضرورة الاهتمام بالبحث العلمي ومعرفة طرقه ومنهجياته، الأمر الذي قد يسرع بإدراج منهج البحث العلمي من ضمن مناهج المرحلة المتوسطة والثانوية.

ويقول الكاتب محمد أبا الخيل، إن “في المملكة ما يقارب (120) مركزا بحثيا معظمها في الجامعات الحكومية، وقليل منها في الجامعات الخاصة، أو هي مراكز خاصة مستقلة بذاتها. وإن كان هذا العدد يعتبر قليلاً جداً لدولة يضعها حجم اقتصادها ضمن دول (مجموعة) العشرين، إلا أن الناتج البحثي من هذه المراكز أيضاً ضئيل ومتواضع نوعياً، وفي كثير من الأحيان غير موجّه لمنفعة ظاهرة، بل إن معظم البحوث التي تنتجها مراكز البحث الجامعية في المملكة تنتهي في مجلدات تتزين بها رفوف مكتبات الجامعات السعودية، وقد يطول الزمن بها دون أن يهتم أحد بما تحتوي”!

ويرى “أبا الخيل” أن البحث العلمي في المملكة “ضعيف” نظراً لضعف البيئة البحثية الحاضنة، وأن الباحث في الجامعات السعودية يعاني – في تقدير الكاتب – من تسلط الكادر الإداري الجامعي، الذي يعتبر البحث العلمي “ترفاً” على حساب العبء التدريسي وهو الأهم، ووسيلة فقط لنيل الدرجات العلمية والترقيات الأكاديمية في الجامعات.

وبحسب الكاتب، فإن “معظم الجامعات السعودية ليس لديها لائحة نظامية وقانونية تحكم البحث من حيث التمويل والمسؤولية والحقوق، وليس لدى وزارة التعليم لائحة في هذا الخصوص تعتبر “معيارية”، كما أن المفهوم الشرعي المعمول به في المحاكم السعودية للحقوق الفكرية، ما زال يمثل إعاقة لتسجيل أي بحث علمي له نواتج اقتصادية تستحق الحماية من التعدي، وهذا الأمر يجعل البنية النظامية في المملكة غير مشجعة للبحث العلمي”.[3]

وأحد أبرز هذه المشكلات، أنه من الصعوبة بمكان إيجاد خطة استراتيجية للأبحاث العلمية موحدة بين جميع الجامعات السعودية بسبب كثرتها وتوسعها، حيث لكل جامعة خطة خاصة بها تخدم الرؤية وتحقق أهداف الدولة.[4]

يمكننا القول بأن رؤية المملكة 2030 عززت بقوة وضع المرأة في شتى المجالات، ومن ضمنها البحث العلمي. إذ كشفت دراسة أكاديمية أجريت في عام 2009 عن انعدام توظيف السعوديات في مجال البحث العلمي وقلة مشاركتهن كباحث رئيس في مشاريع الأبحاث المدعمة، لوجود عدة تحديات تواجه الأكاديميات والعاملات في مختلف المؤسسات التعليمية والبحثية على مستوى المملكة، فخلال العشرين عاما التي سبقت إجراء الدراسة تم دعم 166 بحثا في مركز الملك فهد للبحوث الطبية تولت الباحثات الدور الرئيسي لـ 17 بحثا منها فقط”، ناهيك عن الصعوبات التي كانت تواجهها الباحثات السعوديات في الحصول على مصادر ومراجع لعدم توافر المكتبات التي عادة لا تفتح أبوابها أمام الباحثة إلا يوما واحدا في الأسبوع، ما يدفع الباحثة إلى شراء هذه المراجع، التي هي في الأساس باهظة الثمن.[5] كل هذه الجوانب تم تلافيها في رؤية المملكة 2030، وأصبح المجال مفتوحا أمام المرأة لتتبوأ المكان الذي ترى أنها تستحقه في المشاركة في نهضة البلاد من خلال البحث العلمي.

ينبغي علينا تنظيم مأسسة البحث العلمي والسعي حثيثا للانتقال إلى تفعيل جوانب الاقتصاد المعرفي. الأبحاث التي تؤول نهايتها حبيسةً لرفوف المكتبات أو أدراج المكاتب، أبحاث حكم عليها وعلى الجهود المبذولة فيها بالإعدام. نحن بحاجة إلى النهوض بدور المراكز البحثية والجامعات (من خلال مراكز بحثية خاصة بها) للعمل على تنسيق وتضافر الجهود في المجالات البحثية التي تسلط الضوء أولا على احتياجات السياق المحلي ومعالجتها والسعي ثانيا لإبراز الوضع الصحيح والمستحق للمملكة كإحدى اقتصاديات دول العشرين. من خلال تضافر الجهود يمكن إنشاء بيوت خبرة تهدف إلى تزويد أصحاب القرار بالبيانات والأدلة العلمية والتوصيات المنهجية اللازمة لاتخاذ القرارات الحيوية على كافة الأصعدة وفي كافة المجالات من جانب، ومن الجانب الآخر تتفاعل مع الاقتصاد المحلي بشكل أكثر فعالية مما يعزز الجدوى الاقتصادية للأبحاث الصادرة. 

من هو البروفيسور محمد الطريقي

     أستاذ الهندسة الطبية والتأهيل والتنمية المستدامة

     درس الثانوية وحتى ما بعد الدكتوراه في بريطانيا وأمريكا.

     عمل أكاديميًا بكل من؛ مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وجامعة الملك سعود، وجامعة Northwestern بالولايات المتحدة الأمريكية، وجامعة المجمعة.

     له اكثر من 150 بحثًا علميًّا محكمًا ومنشورًا، و 60 إصدارا تم ترجمة بعضها للإنجليزية، أبرزها موسوعة التنمية الإنسانية، في مجلدين.

     حاز على 5 براءات اختراع من الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا والمملكة العربية السعودية .

     نال عددًا من الجوائز السعودية والعربية والدولية منها جائزة التميز في البحث العلمي والابتكار والاختراع من جامعة الملك سعود وجائزة مكتب التربية لدول مجلس التعاون وموهبة وجامعة تيمبل الامريكية وعدة جوائز عربية وعالمية، توجت بوسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى عن مسيرة اختراعاته وإبداعه العلمي.

     ترأس تحرير مجلات العالم، وعالم الإعاقة، والصحة العربية، باللغة العربية.

–     ترأس تحرير مجلات علمية محكمة باللغة الإنجليزية، أبرزها المجلة السعودية للإعاقة والتأهيل ومجلة العلوم الصحية لجامعة المجمعة.

     عمل ببرامج الأمم المتحدة الإنمائية، ومنظمة التأهيل الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.

–     أسهم في تأسيس مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز للخدمات الإنسانية ومشروعات تأهيلية اخري في المملكة العربية السعودية وخارجها..


[1] السعودية تتصدر عربيا البحث العلمي، موقع الوطن، 1 يوليو/ تموز 2020.

[2] مؤشرات البحث العلمي في المملكة، تقرير لمجلة القافلة، موقع شركة أرامكو، بدون تاريخ.

[3] البحث العلمي (2030) موقع الجزيرة، 3 مايو/ أيار 2013.

[4] الأبحاث العلمية في المملكة العربية السعودية ورؤية 2030، موقع تعليم جديد 10 يونيو/ حزيران 2020.

[5] الباحثة السعودية محبطة.. وجهودها العلمية على أرفف المكتبات!! موقع الاقتصادية، 1 مايو/ أيار 2009.