الأربعاء , أكتوبر 28 2020
الرئيسية / المجلة / بنك المعلومات / مشكلة اجتماعية اسمها ” الطفل الخجول” !

مشكلة اجتماعية اسمها ” الطفل الخجول” !


أظهرت دراسة حديثة أجريت في "المركز القومي للبحوث الاجتماعية" بالقاهرة، أن الخجل لدى الأطفال هو أحد العوارض النفسية التي تسبب قلقا شديدا للوالدين، فقد يكون الطفل نشيطا ولبقا في حضور أفراد الأسرة ، لكنه يميل إلى الانزواء خجلا بمجرد دخول شخص غريب إلى المنزل، الأمر الذي يثير مخاوف الوالدين من أن يؤثر خجل الطفل على شخصيته، فيتحول إلى شاب منطو يعجز عن مواجهة الآخرين في المستقبل، وهي ظاهرة مرضية تصيب نحو  36 % من الأطفال في مرحلة المراهقة والبلوغ.

ويرجع خبراء التربية الخجل الذي يصيب نسبة كبيرة من الأطفال تجاه الأشخاص الغرباء، إلى خطأ في أسلوب التربية الذي يتعامل به الوالدان مع طفلهما، فهناك مشكلة يجيب مراعاتها ومعرفة الخلل والسيطرة عليه قبل أن يتحول الطفل الخجول إلى شاب منطو على نفسه ولديه مشكلة في الاندماج بالمجتمع المحيط به.

وتقول إحدى الأمهات: إن طفلي مدهش، كثير الحركة، محب للسيطرة داخل البيت فقط، وأما خارج البيت فيبدو خجولاً منطويًا لدرجة أنه قد يخفي وجهه إذا رأى شخصًا يعرفه في مكان ما بل يشتد خجله إذا حادثه، إنني لا أدري كيف أتعامل معه، إذ أخشى أن تزيد حالته سوءًا .

وتقول أم أخرى: طفلي يبكي ويصرخ ولا يتكلم، إذا زرنا أحدًا أو زارنا أحد، مما يزيد إحراجي، فهو ينقصه التركيز، ولا يحب كثرة الناس في المكان، إنه يكره المنافسة خوفًا من أن يتغلب عليه الآخرون.

وتقول ثالثة: طفلي لا يحب اللعب مع الأطفال، حاولت مرارًا تأنيبه، ولكن حالته في ازدياد، إنه يلعب مع أطفال البيت فقط، أما الغرباء فلا يحب الاجتماع بهم، وهو يعرف إجابة السؤال الذي يطرحه معلمه في الصف، لكنه لا يجرؤ على الإجابة .. أخاف أن يقلل هذا من سعادته، أو يُفقده حب الناس له.

ويلاحظ من شكاوى الأمهات أن الخجل قد يؤدي إلى آثار سلبية أخري مثل الخوف والرهبة واضطراب الأعصاب، وانعدام الثقة بالنفس والخوف من القيام بأي عمل خشية الإخفاق، وقد يجد الطفل صعوبة في التركيز فيما يجري حوله، ولا يعرف كيف يواجه الحياة منفردًا، وخاصة عند دخوله المدرسة، فقد يشعر بعدم الرضا عن نفسه؛ فلا يتجرأ على طرح الأسئلة خوفًا من الرفض أو الصد.

مخاوف غامضة

يؤدي الخجل إلى الانطواء كمشكلة اجتماعية تواجه العديد من الناس، لذلك يجب السيطرة على تلك المشكلة والحد منها قبل تفاقمها في نفسية الطفل، ويرجعه خبراء التربية إلى عدة عوامل هي:

* العامل الوراثي : فيرى بعض الباحثين أن فسيولوجية الدماغ عند الأطفال المصابين بالخجل هي التي تهيؤهم لتلك الاستجابة، ومن هنا فإن العامل الوراثي بالإضافة إلى البيئة المحيطة له أثره، كذلك فإن الاضطرابات الانفعالية والعاطفية والحالات النفسية التي تعاني منها الأم خلال مرحلة الحمل، قد تؤثر على نمو الطفل، وتهيؤه لظهور حالة الخجل لديه في مستقبل حياته.

* أسلوب التنشئة: قد يكون القائم بالتربية مسؤولاً عن إصابة الطفل بالخجل دون أن يشعر، ويحدث هذا من خلال مواقف بسيطة، أو ملاحظات عابرة ، فقلق الأم الدائم والزائد على طفلها ولهفتها عليه من أكبر أسباب ظهور الخجل لدى الطفل، كما أن الخلافات بين الزوجين تسبب مخاوف غامضة للطفل، وتجعله لا يشعر بالأمان، مما يؤثر على نفسيته، كما تؤدي القسوة في عقاب الطفل لمجرد ارتكابه أي خطأ، أو تقصير في أداء الوظائف المنزلية، أو انخفاض درجات الاختبار إلى الخوف والخجل.

* الغيرة بين الأطفال: ربما تسبب المقارنة بين الطفل وأقرانه أو أشقائه، إذا كان متفوقًا في أي جانب من الجوانب وذلك بمدحه على ذكائه، أو حسن تصرفه وخاصة أمام الآخرين في شعوره بالحرج، ويؤدي إلى إحساسه الشديد بالخجل.

* مشكلات خاصة : كأن يكون الطفل مصابًا بعيب خَلقي، أو مرض مزمن، أو عيب في النطق، مثل "التأتأة"، فيشعر الطفل أنه أقل من نظرائه ويبتعد عنهم ولا يشاركهم نشاطهم.

العقد النفسية

يؤكد الدكتور صفي الدين حسنين – أستاذ علم نفس الطفل بجامعة القاهرة – أهمية تأثير عامل التربية في مستوى تعامل الطفل مع الآخرين، فيقول : الجو الذي يسود المنزل والعلاقة بين الوالدين‏، فقد يكون الأب عصبي المزاج ويتطاول بالكلام أو باليد علي الأم مما يؤثر علي نفسية الصغار لأن العقد النفسية ستبدأ في التكونّ داخل الأبناء منذ نعومة أظافرهم دون أن يدرك الوالدان أنهما وراء عقد الابن أو الابنة‏..‏ فالمعايشة الصحية والتماسك بين أفراد الأسرة والاحترام المتبادل بين الأب والأم يمنح الأمان والراحة والسكينة لنفس الصغير‏.

ويشير د . صفي الدين إلى أن العلاقات الأسرية السوية تضفي علي الأبناء مهارات التواصل المحمود مع الآخرين عن طريق تنمية أواصر المحبة والتواد والتراحم التي يلمسها الصغار عن قرب من خلال علاقة الوالدين بمن حولهم‏،‏ وأن تفهم حاجات الأبناء ومطالبهم يحتاج إلى صبر ووعي بأهمية دور الآباء والأمهات في التربية.

أما الدكتورة سهير عبد العزيز – أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر –  فترجع السبب في انطواء الطفل إلى الأسرة، فنادراً – على حد قولها – ما يصاب الطفل في أسرة مترابطة بالانطواء، فالطفل المنطوي ينشأ في أسرة يسودها المشكلات والصراعات وعدم التفاهم، كما أن كلا من الأم والأب لم يقم بدورهما التربوي على الوجه الأكمل في تربية الطفل بحيث يكون طبيعياً مثل أقرانه.

وهناك قواعد عامة نفسية  يجب مراعاتها في تربية الطفل، فيجب إشراك الطفل في أداء بعض الأعمال التي تحتاجها الأسرة ليشعر بأهميته ووجوده واحترام قدراته وتوجيهه إلى ممارسة أنشطة رياضية لتفريغ طاقاته وإذا كان لديه موهبة كالرسم أو العزف فيتم مساعدته بالحب والتقبل لرغباته‏،‏ وعلى الوالدين تجنب مواقف العنف السلوكي أمام الأبناء حتى لا يكونوا سببا في إصابتهم بإعاقات اجتماعية‏.‏

ويرى الدكتور شحاتة محروس – أستاذ علم النفس بجامعة حلوان – أن هناك أسباباً أخرى غير متعلقة بالأسرة قد تتسبب في انطواء الطفل، مثل عدم ثقة الطفل بنفسه علاوة على استخدام القسوة الزائدة معه أو السخرية منه أو التقليل من شأنه إذا ضربه أحد الأطفال، أو حين لا يدربه أحد على التواصل مع الآخرين.

العلاج الأسري للخجل

للأسرة دور مهم في حل هذه المشاكل المرتبطة بالطفل من خلاله مساعدته على الاندماج في المجتمع والاختلاط بأقرانه بتنظيم زيارات إلى الأقارب ممن لهم أطفال في مثل سنه كي يتحدث معه ويندمج معهم، وعلى الأسرة أن تشجعه على الاتصال والتفاعل مع الآخرين، ويستحسنوا منه هذا السلوك، وعلى الوالدين أن يدربا الطفل على طريقة التعامل مع الآخرين في المواقف الصعبة حين يتعرض لضرب من طفل آخر، دون سخرية أو إيذاء.
 
وتنصح د .عزة تهامي – خبيرة تربية – بضرورة إبعاد الأطفال عن المشاكل الزوجية والاضطرابات بين الزوجين، محذرة من عصبية الأمهات في التعامل مع الأبناء والتي قد تؤدي إلى إضعاف شخصياتهم، أو تؤدي إلى أن يكون الطفل شخصية متسلطة يهوى السيطرة على الآخرين.

وتحذر د . "عزة " من أسلوب الإلحاح على الطفل لمصافحة الزوار أو التحدث معهم، وترى أنه يمكن تعليم الطفل التعرف إلى الآخرين بأسلوب أخر يعتمد على الود والبشاشة وحسن الاستقبال، وتعليم الطفل أن يسلك سلوكا سويا تجاه الآخرين، وينصح خبراء التربية بأن يكون الحوار المستمر بين الأم والطفل مفتوحا واستماع كافة أراء الطفل والاستجابة لها، وأن تمتدح الأم السلوكيات الإيجابية، وتدريب الطفل على التحدث مع الآخرين بثقة، وعدم التدخل للدفاع عنه في المواقف الخلافية بينه وأخوته وأقرانه.

وتعد الألعاب الالكترونية من المؤثرات الخارجية التي تؤدي إلى انطواء الأطفال، وخاصة تلك التي ظهرت حديثا والتي تؤدي إلى تغيب الطفل عن العالم المحيط، وتسبب له مشكلة اجتماعية في التفاعل مع الآخرين قد ترافقه طوال حياته، فجانب العوامل الوراثية وعوامل التربية يجب أن يراعي القائمون على التربية أهمية اللعبة في حياة الطفل كإحدى الثنائيات المهمة التي تبدأ معه منذ سن مبكرة جدا، حيث تقتحم اللعبة حياة الطفل منذ الأشهر الأولى من عمره.

وتؤثر اللعبة في تشكيل السلوك لدى الطفل تجاه المجتمع المحيط، ورغم أن هناك بعض الألعاب تساهم بشكل واضح في تنمية حس الجرأة عند الطفل وخصوصا ألعاب الملاهي في المدن الترفيهية، التي تنمي روح المغامرة عند الأطفال، إلا أن هناك العديد من هذه الألعاب تساهم بشكل سلبي، فبعض ألعاب الأطفال وخاصة الألعاب الإلكترونية تساهم في خلق طفل "منطو" وغير متأقلم اجتماعيا بسبب ركونه الدائم إليها والانشغال بها عن مخالطة أقرانه، أو الاحتكاك بأفراد عائلته الآخرين، سواء أثناء تواجدهم في المنزل أو حتى أثناء زيارتهم لأقارب آخرين.

صلاح عبد الصبور


شاهد أيضاً

ابتكار طريقة جديدة لإنتاج "عظام" بواسطة المعادن

ابتكار طريقة جديدة لإنتاج “عظام” بواسطة المعادن

ابتكر باحثون من جامعة “أوريجون للعلوم الصحية” طريقةً جديدةً لصناعة أوعية عظمية يُمكن أن تقوم …