السبت , يوليو 20 2019
الرئيسية / المجلة / مهن إبداعية / عبدالوهاب محمود.. ساحر الخطوط‮ ‬

عبدالوهاب محمود.. ساحر الخطوط‮ ‬


بسرعة بديهة لا تخلو من التناغم والجمال‮ ‬يحول أي‮ ‬اسمين ليكونا وجهين لعملة واحدة فيقرأ أحدهما بالعربية والآخر بالانجليزية بمهارة تتحول الأرقام إلي‮ ‬أسماء والهيروغليفية إلي‮ ‬لاتينية سليمة‮.. ‬إنه عمل‮ ‬يجيده ساحر الخطوط عبدالوهاب محمود سالم الذي‮ ‬أجاد اكتشاف أسرار اللغة وذاب عشقا في‮ ‬أسماء الله الحسني‮ ‬التي‮ ‬كتبها كاملة داخل لفظ الجلالة بإبداع لا مثيل له‮.‬

وذكرت صحيفة روز اليوسف الصمرية أن عبدالوهاب محمود‮ (‬40‮ ‬عاما‮) ‬بدأ عشقه للخط العربي منذ ان كان في المرحلة الثانوية فقد كانت هوايته المفضلة هي تأمل اللافتات وما عليها من خطوط ليبرع بعد ذلك في تقليدها دون التمييز بين انواع الخطوط والتي تعرف عليها فيما بعد عندما زار اول معرض فني له في الإسكندرية عام‮ ‬1978‮ ‬بمعسكر أبو قير للشباب،‮ ‬بعدها فاجأه المسئول عن المعسكر بأنه يستخدم الخط الكوفي الأندلسي،‮ ‬ومن هنا بدأ في التعرف علي انواع الخطوط العربية التي علمها لنفسه بنفسه فهو لم يدرس بمدرسة الخطوط‮.‬

ومن هذه المرحلة شرع عبدالوهاب محمود في التعبير عن أفكاره بالخط الثلث ومحاولة تطويعها وكتابتها بشكل‮ ‬غير تقليدي لكن فكرة كتابة الأسماء وتحويلها من الإنجليزية للعربية جاءت بالصدفة وتحمل وراءها قصة طريفة عندما طلب منه احد اصدقائه تقديم هدية لخطيبته،‮ ‬وأراد مساعدته في أن تكون هدية‮ ‬غير تقليدية،‮ ‬فكانت فكرته في أن‮ ‬يرسم له لوحة بها اسمهما و كانت البداية من تحويل حرف‮ "‬"A الذي حوله إلي‮ "‬ع‮".‬

من هنا اعتاد الذهاب لزملائه يوميا في جامعتي القاهرة وعين شمس حيث وجد متعته في العمل مع الشبان والشابات الذين يرغبون في كتابة أسماء أصدقائهم أو أحبائهم،‮ ‬مما ساعده علي تحدي نفسه و تحويل الـ‮ ‬26‮ ‬حرفا الإنجليزية وتطويعها في كتابة الـ‮ ‬28‮ ‬حرفا التي تشكل الأبجدية العربية‮.

‮ ‬بعد حصوله علي مؤهل فني صناعي متوسط عمل منفذ اعلانات في مسرح السلام وكانت اعماله تلقي اعجاب من يشاهدها و هو ما دفعه للتفكير في كتابة أسماء الله الحسني كلها من خلال لفظ الجلالة‮ "‬الله‮" ‬حيث تتجسد كلها فيه،‮ ‬فمثلا‮ "‬الغفور‮" ‬أو‮ "‬الملك‮" ‬ممكن قراءتها‮ "‬الله‮"‬،بعدها سافر إلي عدة دول‮ ‬أوروبية ما بين المانيا وهولندا و بلجيكا حتي استقر به الحال في فرنسا التي عاش بها لعدة سنوات وعمل في مقهي يقع امام جامعة السوربون كان سببا في انفتاحه علي عالم اخر مليء بالمعلومات والكنوز التي حاول استغلالها قدر استطاعته‮.‬

‮ ‬خلال هذه الرحلة كان الخط خير رفيق ومعيناً‮ ‬له حيث قام بتنفيذ نفس الفكرة هناك وهو ما لاقي اقبالا لدي‮ ‬متذوقي‮ ‬هذا النوع من الفن رغم عدم فهم حروف الخط العربي،‮ ‬فقرر مخاطبة الغرب بما يفهم وهو الارقام والحروف اللاتينية وزاد عليها ما لمس انهم يذوبون عشقا فيه وهو الحروف الهيروغليفية مستلهما هذه الفكرة من المسلة الفرعونية الموجودة في الكونكورد،‮ ‬وكان يجذب الفرنسيين إليه‮ ‬بإستخدام الرموز الهيروغليفية أيضا مع الأبجدية العربية والإنجليزية،‮ ‬واستعان في ذلك بكتب لعالم الآثارعبد الحليم نور الدين‮.‬

سرعان ما عاد إلي مصر متأثرا بتجربته و أكثر ما أبهره هو الاهتمام الشديد برعاية أصحاب المواهب و هو ما يتمني أن يحدث في مصر مؤكدا أننا نمتلك آلاف المواهب المتميزة التي قد لا نعرف عنها و تنتهي بنهاية حياة اصحابها رغم تميز ما يمتلكونه من مواهب‮.‬

يعمل عبد الوهاب حاليا مصمم دعاية في قسم لتنمية الأفكار الجديدة بإحدي الشركات،‮ ‬ويصف موهبته بأنها مباراة ذهنية،‮ ‬تحتاج إلي خيال واسع فلا يمكن أن يقف أمامه اسم أو رقم أو حتي رمز،‮ ‬وقد استعانت به كبري شركات إنتاج شرائط الكاسيت لتصميم أغلفة الشرائط،‮ ‬ومنها‮ "‬عودوني‮" ‬لعمرو دياب و"قلبي وروحي وعمري‮" ‬لمحمد فؤاد،‮ ‬كما عمل أخيرا في مجال تصميم تترات الفيديو كليب،‮ ‬وآخر أعماله كان تصميم اسم فيلم‮ "‬الشبح‮" ‬لأحمد عز‮.‬

‮ ‬ويكتفي عاشق الخط عبدالوهاب محمود بالمشاركة في المهرجانات الثقافية ومعارض الكتب والكرنفالات فهو يعتبر نفسه هاوياً‮ ‬و يرفض أن يتخذ موهبته سبيلاً‮ ‬للشهرة أو للحصول علي ثروة،و يحلم بجمع لغات العالم كلها في لغة واحدة و هو ما يعتبره حلماً‮ ‬صعباً‮ ‬و لكنه ليس مستحيلاً‮.‬

علياء أبوشهبة
 


شاهد أيضاً

محمد مندور.. فنان عالمي من الطين

فنان موهوب بالفطرة بحكم نشأته بفواخير الفسطاط، تتلمذ علي يد أشهر النحاتين في عصره، فأحيا …

2 تعليقان

  1. كفو

    بغدادُ ترتقي الجُلجُلة.

    مسرحية في أربعة فصول وخاتمة .

    علاء اللامي

    الإهداء :

    بدايةً ،فكرت بإهداء هذا النص الى ذكرى فنانة الشعب والممثلة المسرحية العراقية الفذة زينب التي توفيت في المنفى قبل بضعة أعوام .ثم ،وأنا في غمرة كتابة هذا النص المسرحي ، صيف سنة 2001 ، شاءت المصادفات أن أشاهد شريطا مصورا تلفزيونيا يحوي شهادة مرتجلة وشجاعة ، ملتاعة وصادقة للكاتب المسرحي المقاوم سعد الله ونوس على شاشة إحدى القنوات التلفزية العربية مساء العشرين من تموز ، كان قد أدلى بها قبل رحيله بفترة قصيرة . ولأن سعد الله اعتبر نفسه من ضحايا الحرب والعدوان على العراق وشعبه حين شعر بإصابته بالورم السرطاني إبان قصف وتدمير العراق فليس لي إلا أن أهدي- أيضا – نصي هذا لذكراه العطرة . الى فنانة الشعب العراقي زينب إذن والى المبدع سعد الله ونوس أهدي هذا النص ..

    علاء .

    جنيف : صيف 200إضاءات للمخرج والقارئ :

    أعطيت لنفسي حق تسديد هذه الإضاءات لسببين :

    الأول هو أن نص هذه المسرحية مركب من جهة الزمان والمكان والأسلوب وهذا التركيب بحد ذاته سينتج – لا محالة – أشكالا عدة من التعقيد واللبس فهو بحاجة إذن لبعض التوضيحات والإضاءات . والسبب الثاني هو الرغبة في محاولة الدمج بين تقديم محاولتي الشخصية تماما لبناء النص المسرحي مع تقديم رؤية أولية وخاصة لمشروع إخراجه ولهذا :

    -افترض إن عناوين المشاهد لم تكن لغرض تزيني فقط بل إنها أداة إضافية لتوصيل ما أردت توصيله ، ويمكن للمخرج استعمال لافتات بسيطة تخط عليها العناوين أو يمكنه استعمال الشفافات (سلايدات) أو أية طريقة أخرى .

    -إذا كان النص المسرحي ليس نصا مقدسا ، وهذا صائب كفاية ،وأن المخرج هو الباني الثاني له وبالتالي فهو حر إجرائيا في التعامل مع النص حذفا وتعديلا وتطويرا فإن ذلك لا ينبغي أن يفهم على أنه إقصاء تام للمؤلف بقدر ما يعني تقديم رؤية إخراجية مستقلة لما ألفه .لذلك أجدني مضطرا لتوضيح أنني استفدت كثيرا في كتابتي لهذا النص كما هو الشأن في نصوصي المسرحية الأخرى من تقنيات الفن السابع وبخاصة القطيع المشهدي ” السيناريو” وأعتقد أن على مخرج النص أن ينتبه الى هذه الحقيقة في تعامله الذي ينبغي أن يكون حذرا ودقيقا مع النص .

    – أوضح بأن بعض شخصيات المسرحية تاريخية وحقيقية كالجنرال طونزند قائد القوات البريطانية المحاصرة في مدينة الكوت سنة 1915 ، وبعضها خيالي من الناحية المضمونية وواقعي من الناحية الرمزية والشكلية كأسرة الحاج فاضل البغدادي . هناك في الواقع صانع أعواد بغدادي مشهور اسمه محمد فاضل ولكن ما بينه وبين محمد فاضل الشخصية المسرحية ليس إلا تشابه في الأسماء والحرفة . وثمة بعض الشخصيات هي بين بين أي إنها مزيج من الواقعي والخيالي شكلا ومضمونا كالشهيد نادر الذي قتل تحت التعذيب وأمام والديه ، فالحادثة نفسها وسبب القتل هي أمور حدثت فعلا في إحدى الدول العربية شرقي الأبيض المتوسط . أما آهمساكاما مرافق الجنرال طونزند المركب من الواقعي والخيالي فقد كان للجنرال طونزند مرافق هندي فعلا ولكن اسمه غيزو وكان مختلفا تماما في المضمون عن آهمساكاما والاسم ذاته مؤلف من كلمة هندية هي آهمسا وتعني اللاأذى وكاما أي متعة ( متعة اللاأذى ) النقيضة لمتعة القتل عند الجنرال البريطاني . البعض الآخر من الشخصيات خيالي مركب كشخصية أم رجاء وهي شخصية وردت في قصة قصيرة للروائي العراقي محمود سعيد فمسرحناها .

    -العارض الصحي الذي ألم بالطفلة الرضيعة ” بغداد ” وهو ظهور خط أسمر محمر في وسط الجبين ثم يأخذ هذا الخط بالامتداد والاتساع حتى ينسلخ الجلد كله ويموت المريض ، هذا العارض موجود فعلا في العراق ، ويعتبر من الأمراض العديدة والغربية التي ترتبت على استعمال القوات الغربية الأطلسية لسلاح اليورانيوم المنضب و أودى بحياة بعض الأشخاص في جهات عديدة من العراق وقد حدثني عنه أكثر من شخص من إقليم الفرات الأوسط خاصة .

    – إذا كان مثال “أم رجاء ” نوعا من التضمين أو التناص بالشخصية الأدبية فثمة نوع من التناص يمكن تسميته التناص بالحدث ومثاله هجوم أم نادر على رجل الأمن وجدعها أنفه وهو ما قامت به شخصية من شخصيات إحدى القصص القصيرة للروائي العراقي سالف الذكر .

    اخترت اسم “الجلجلة” وهو الجبل الذي أعدم الغزاة الرومان عليه يسوع المسيح مع أن الاسم الصحيح لذلك الجبل في الكتاب المقدس هو “الجُلْجُثَة” وذلك لأن الأول أكثر استعمالا وانتشارا من الثاني .ويمكن الاستعاضة عن الجبل في مشهدي الخاتمة بسلم حجري طويل لا نهاية له .

    الشخصيات حسب الظهور :

    1-فاضل محمد فاضل : حرفي في الأربعين من العمر ، يعمل مع أبيه محمد فاضل في محل لتصليح الآلات الموسيقية العربية كالعود وغيره .

    2- الحاج محمد فاضل البغدادي : والد فاضل وصاحب المحل .

    3- فاضل البغدادي : جد فاضل ووالد محمد ، شيخ مقعد وعسكري سابق في الجيش التركي،خلال حصار الكوت انتحل شخصية طالب علم في إجازة وعمل كمترجم مع البريطانيين المحاصرين .

    4- الفتى سلمان بن الحجية : بائع سكائر و ذباب مجفف ومقدم خدمات .

    5- سُكينة : زوجة فاضل محمد فاضل .

    7- امرأة1.

    8- امرأة 2 القابلة .

    9- امرأة 3 الممرضة 1 .

    10- العازف سمير البصري : موسيقي شاب .

    11- الفريق تشارلس طونزند .

    12- الجندي البريطاني 1.

    13- الضابط البريطاني 1 (العقيد جون كلارك ).

    14- الضابط البريطاني 2 ( العقيد جيمس دوكلاص ).

    15-ضباط وجنود بريطانيون آخرون .

    16- الخالة أم نادر.

    17- المجندة1 مس كرين .

    18- المرأة المرضع .

    19- المرأة حاملة الخبز.

    20-نساء أخريات .

    21- المجندة 2 مس آرثر .

    22- المجندة 3 .

    23- الأسير العراقي 1

    24- الأسير العراقي 2 .

    25-الأسير العراقي 3 .

    26-أسرى عراقيون آخرون في مدينة الكوت المحاصرة .

    27- حسين شاب مطارد أمنيا وصديق لفاضل .

    28- عمانوئيل صديق لفاضل .

    29- رفيق بسيطة رجل الأمن ومسؤول الحزب الحاكم في المحلة اسمه الحقيقي سعيد .

    30- رجل بالزي البدوي .

    31-رجل عراقي يعثر على كلب الجنرال طونزند

    32- ضابط الاتصال التركي حامل راية الهدنة .

    33- الطبيب .

    34- الممرضة 2 .

    35- الشيخ هادي النوري .

    36 – مساعده علي .

    37- مساعده مهند .

    38- مساعده عباس.

    39 – زبون .

    40- محسن السريع .

    41-خليل باشا .

    الفصل الأول

    المشهد الأول : ( ترطيب جهنم بالمرح العابر )

    يوم من أيام العام الثاني للحصار الغربي والعربي ضد العراق . بغداد ، محلة الحيدرخانة ، محل لصناعة وتصليح الآلات الموسيقية العربية التقليدية على واجهته لوحة مكتوبة بخط الثلث الأنيق ( الحاج محمد فاضل البغدادي لصناعة وتصليح الآلات الموسيقية ) الحاج محمد فاضل رجل في الستين من العمر منشغل بلصق وتثبيت أجزاء وشرائح من خشب الجوز على قالب له هيئة حجرة العود . ابنه فاضل يقف أمام منضدة عالية ثبت إليها بدن عود وهو يصقله بحماس وعصبية ويتلمس قشرته بين الفينة والأخرى ..صوت موسيقى ريفية خفيفة تنبعث من جهاز المذياع في العمق .. يرن جرس الهاتف فيهرع فاضل لالتقاط سماعته بلهفة واندفاع :

    فاضل : ها ؟ ولد لو بنت ؟ نعم ؟ آه ..آسف ، أنا آسف يا عمي أبو خالد . .نعم إنه هنا ، دقيقة لو تكرمت ..أبي ..

    الحاج محمد : ماذا هناك ..؟

    فاضل : العم أبو خالد على الخط ..(يضع سماعة الهاتف على الطاولة ويعود لما كان فيه. )

    ( الحاج يمسح كفيه بمئزره الأبيض ويتقدم ليرد على المكالمة .)

    الحاج محمد : أهلا ، أبو[1] خالد ، يا هلا عيوني .. الداعي أشوق .. ما هذه الغيبة الطويلة ..ها ؟

    ولد لو بنت ..؟ لا ،هذا خادمك فاضل.. ابني الكبير . إنه ينتظر مولودا .. نعم ؟ ينتظر زوجته تلد في هذه الساعة .لا ،لا مولانا بالعكس ، إنه يفضل أن يكون المولود أنثى، لدية ثلاثة أولاد ما شاء الله : كريم وتحسين ونزار ..( يضحك)صحيح ، صحيح ،مثلما تفضلت عزيزي : يريد أن يكون المولود مولودة .. ماذا ؟ نعم لقد اختار لها اسما ..قرر أن يسميها بغداد ! قحط أسماء !! هذه ليست مشكلة ،إن رزقه الله ذكرا سيسميه رمادي ! على اسم مدينة الرمادي ! بالمناسبة حجي أبو خالد هل سمعت بنكتة الرمادي ؟ لا؟ هذا يا مولانا واحد من جماعتنا إياهم ، رأى ذات يوم سيارة حمراء ورقمها 720 رمادي ، فماذا قال ؟ قال : كم هو أحمق هذا الرجل !سيارته حمراء ويكتب عليها رمادي ..(يضحك بصخب )نعم .. عيوني أنت . إنشاء الله سيكون عودكم جاهز في نفس الموعد الذي اتفقنا عليه ..لا، لا إنشاء الله لن يكون هناك تأخير ..نعم ؟

    ماذا قلت ؟ لا أخي لا .لا دولارات ولا يحزنون تسدد الثمن الذي اتفقنا عليه بالدينار وأبوك الله يرحمه .. ما قصة الدولارات المنتشرة هذه الأيام حجي أبو خالد ؟ لم يبق شيء لا يدفعه الناس بالدولار إلا القيام بالواجبات الزوجية !..تصور بالله عليك واحد يريد أن يقوم بواجباته الشرعية وبالعملة الصعبة مولانا ..(يضحك ) ولا يهمك أبو خالد .. صار! .. من هذه العين قبل هذه .. مع السلامة حجي .. في أمان الله أخي . ( يضع سماعة الهاتف .. يعود لما كان فيه . )

    فاضل : أمرك عجيب حقا يا أبي .. تمزح وتلقي النكات فيما نحن نعيش في جهنم حقيقية.

    الحاج محمد : ما دمنا نعيش في جهنم كما تقول ،فلما تريد حرماننا من هذا النزر القليل من الفرح العابر ؟ هل من آداب الإقامة في جهنم أن ينوح المرء ويلطم فيها؟ على فكرة ،في حال استمرارك في العمل على هذا المنوال وبهذه الطريقة العصبية فإنك ستثقب العود الثمين الذي بين يديك .. ماذا حدث لك ؟ ماذا جرى ؟ هل أنت الرجل الوحيد الذي ينتظر مولودا ؟

    فاضل : أنا آسف يا أبي ، ولكنها مولودة وليس مولودا ..أم إنك تريد مناكدتي حتى في هذه الرغبة البسيطة ؟

    الحاج فاضل : هذه ليست رغبة طبيعية .الرغبة الطبيعية والمعتادة هي أن يتمنى الأب مولودا ذكرا وليس أنثى .. أما رغبتك أنت بأن تلد زوجتك أنثى ،فهي ،في مجتمعنا ، أقرب الى وضع العقرب على ظاهر الكف ..على أية حال ، هذا شأن ليس بيدي ولا هو بيدك إنه بيد الخالق سبحانه .

    فاضل :آمنت بالله ! ولكنني لم أقرر ما سيكون عليه جنس المولود بل تمنيت أن يكون أنثى لا أكثر ولا أقل ..أنت تعرف إنني لا أكاد أستطيع إعالة أولادي الثلاثة ، ولكننا تمنينا إن يرزقنا الله هذه المرة بنية حليوة وبعدها نشمع الدكان.

    الحاج محمد : تقصد إنك ستعمل تنظيم نسل تطوعي ؟

    فاضل : ولم لا ؟ إذا كنا غير قادرين على إطعام كل هذه الأفواه ،فلماذا ننجب المزيد منها ؟

    الحاج محمد : لست أنت ولا أنا من يطعم ويرزق يا ولدي، إنه الطعّام والرزّاق والخالق والذي منه الخير وإليه الخير ..إياك وأن تخطئ في هذا الشأن يا فاضل .

    فاضل : آمنت بالله يا أبي ! أنا لا أقصد ذلك المعنى ،بل قصدت إن على الإنسان لا يكون سببا في معاناة غيره. ثم أن الظروف غير الظروف والزمان غير الزمان .. كنا قبل سنين قليلة ،ورغم حرب الثمانية أعوام ، نعيش في فيض لا نهاية له من السلع الاستهلاكية والمواد الغذائية رخيصة الأثمان ( هامسا )كما لو أن الجماعة فوق،كانوا يريدون تسمين الشعب استعدادا للمذبحة فالحصار بعدها . أما اليوم ،ومع هذا الحصار الشيطاني الذي لا يرحم ،فثمة الكثير من القواعد يجب أن تتغير ،الكثير من التقاليد والتسلكات يجب أن تراجع . أما السير باستسلام في منحدر اللامبالاة فنهايته معروفة ، إنها الكارثة والدمار ..

    الحاج محمد : كلامك معقول،ولكن حالنا من حال الناس .. ثم لماذا تريد أن تحرم نفسك من الكثير وتضع لنفسك القواعد والتقاليد القاسية في حين يعيش غيرك كما كان قبل الحصار وربما أفضل مما كان ؟

    فاضل : لا ، اسمح لي هنا يا والدي العزيز أن أقول لك بأنني مختلف تماما معك .. فإذا كان كل واحد يقول حالي من حال الناس ، ولماذا أحرم أنا نفسي من هذه المتعة أو الحاجة ولا يفعل غيري ذلك ، إذا كان كل واحد منا لا يبادر الى لقيام بجزء صغير من الواجب الكبير الذي يهم الجميع، فمعنى ذلك إننا سنـزيد من عمق مأساتنا ونساهم في هزيمتنا كمجتمع أمام هذا الظرف الصعب الذي لم نكن السبب فيه .

    الحاج محمد : والله يا ولدي لا أدري ماذا أقول لك .. إنني أشعر بخطورة هذه الظروف ، وأشعر أيضا بالحاجة الى طريقة جديدة في التفكير والتعامل تتناسب وخطورة هذه الظروف ..ولكن يبدو أن سنوات الرفاه والاستهلاك الشره قد تسببت في تبليد إحساس الناس بالخطر ، وربما ساهم الخوف المرعب من كل شيء في تعميم هذه البلادة أو الشعور بالخواء واللامسؤولية ، .. كلامك معقول ومنطقي ، ولكن الكثيرين من الناس، من ناس هذا الزمان الذين كسر الخوف أرواحهم ، لن يستطيعوا بسهولة استيعابه ..على أية حال لنأمل ما فيه الخير لنا ولجميع الناس ،فهذه ليست أول بلوى تصيبنا . لن يكون الحصار أسوأ من عشرات الفيضانات الطوفانية أو الأوبئة الدورية التي تضرب بلادنا كالطاعون والهيضة على مدار القرون .. كم الساعة معك الآن ؟

    فاضل : إنها التاسعة والنصف .

    الحاج محمد : لقد تأخر جدك اليوم عن الحضور .أخشى أن يكون الفتى سلمان بن الحجية الذي كلفناه بإحضاره الى هنا قد نسيه اليوم أو ..

    فاضل : الوقت مازال مبكرا يا أبي ، ربما يكون قد عرج على صديق هنا أو هناك ..لا أدري لماذا أنا خائف هكذا ..كأنني أنا الذي يعاني آلام المخاض لا زوجتي ..

    الحاج محمد : صبرا جميلا يا بني .. مازلت في بدية الطريق .

    فاضل : كيف أكون في بداية الطريق ولي ثلاثة أولاد يا أبي ..لا ، لا ..أعتقد أن أسباب خوفي توجد في مكان آخر .. أنا لم أشعر بهذا القلق والخوف الثقيل حتى حين ولدت زوجتي ابننا الأول كريم ..

    الحاج : إنها مجرد هواجس ربما يكون سببها الأخبار والشائعات التي تجتاح البلاد عن الولادات الفاشلة الكثيرة التي تنتهي بموت الأم أو الوليد أو اثنين معا ،وعن المواليد المشوهين والمعاقين ..

    فاضل : أنها ليست شائعات يا أبي .. إنها حقائق وأخبار مؤكدة عن وباء جديد يضرب في جميع جهات البلاد ..نعم ، أنه وباء غريب ..هنا يمكن أن أضع اليد على أسباب خوفي وانشغالي .

    الحاج : استهد بالرحمن ولا تقلق يا ولدي .. لم تحدث ولادات كهذه التي تتكلم عنها في محلتنا،ربما حدثت في محلة أخرى من محلات بغداد أو في مدن بعيدة .. هون عليك ، ما هي إلا دقائق وستبلغك البشرى ..

    (يدخل المسرح فتى يدفع كرسيا متحركا جلس عليه شيخ بملابس شعبية بغدادية (الصاية والجراوية ..الخ ) الشيخ يبدو كعملاق هرم ، بنيته متينة رغم ثقل السنين ونظارتين بعدستين سميكتين ، الفتى يدخل مجتاحا الركح بسرعة، مقلدا بصوته ضجيج سيارة وصوت منبه ثم يوقف العربة في وسط المسرح فجأة . يندفع فاضل باتجاه الفتى ويمسك بتلابيبه بعنف )

    فاضل : كم مرة نهيتك عن هذا الصنيع ؟ ألا تفهم ما يقال لك أيها التعيس ؟ هل تريد أن تقتل الشيخ في حادث ؟

    الفتى ( محاولا التملص ) ليس ذنبي والله . إنه هو الذي يطلب ذلك مني ..إنه هو الذي يقول لي .. بسرعة ،بسرعة .. كويكلي ، كويكلي مور ذن ذات[2] ! بسرعة أقول لك ..والله هو الذي ..اسأله ، اسأله ..( يستخرج من تحت الكرسي المتحرك صندوقه الخشبي لبيع السكائر.)

    الحاج : ( مخلصا الفتى من قبضة فاضل ) دعه وشأنه ، إنه لا يكذب .جدك مازال يتخيل نفسه ضابطا مغامرا في الجيش العثماني .خذ ( يعطي للفتى ورقة نقدية ) .

    الفتى : ما هذا يا حجي ؟ دينار ؟ ماذا يمكن أن أشتري به ؟ عود شخاط ؟ الدنيا تغيرت حجي ..أنت مازلت مصرا على التعامل مع الدينار بدلال وكأن الحصار لم يبدأ بعد ..

    الحاج : خذ واغرب عن وجهي الآن ( يعطيه ورقة نقدية أخرى ) هل نسيت أن الحاج يعطيك دروسا في اللغة الإنكليزية ؟

    الفتى : لم أنس ذلك ولكنك تعرف أن الإنكليزية لا لون ولا طعم ولا رائحة لها . إنها كالماء تماما لا تشبع ولا تغني عن جوع (ينظر الى الورقة النقدية ) شكرا لك على كل حال . يمكنني الآن أن أشتري علبة كبريت أما السجائر فعلمها عند علام الغيوب ( مخاطبا العجوز على الكرسي المتحرك ) لا تنتظرني في المرة القادمة يا سيادة الملازم ،عليك أن تدبر أحدا غيري ليوصلك الى هنا (صارخا ) هل سمعت يا حجي مستر ؟

    الجد فاضل : دونت شاوت لايك ذات سلي بوي [3]! يلعن أبو المسمرك . يموت من الجوع ولكنه يشترى بدل الصمون سجائر ! سليمة تأخذك ! ( يخرج الفتى )

    فاضل : ( مقربا العجوز وهو على كرسيه المتحرك من ركن الركح الأيمن حيث علقت عدة آلات موسيقية مختلفة ) .. ماذا حدث اليوم يا جدي لقد تأخرت عن موعدك ؟

    الجد فاضل : نا ثنغ [4] مررت على أبو شوقي المزين ليقص لي شعري .. ذات إز أُول[5] !

    فاضل : الناس كلها تتطور إلا لغتك يا جدي .. لماذا لا تسميه أبو شوقي الحلاق كسائر الناس !

    الجد فاضل : لأني لست متخلفا كسائر الناس .. من أين جئتم بكلمة حلاق هذه ؟ ألا تعرف إن الحلاق هو صانع الحَلَق أي الصائغ الذي يصوغ الحَلَق والأقراط أو هو ماسك الحَلَق أي السجان صاحب السلاسل والحلقات .. ثم مم تشكو كلمة مزين ؟ هذه الكلمة يا متخلف ولدت هنا في بغداد بني العباس قبل أكثر من ألف عام وبنفس معناها الآن !!ثم إن الناس البسطاء ، نوت أولي إن بكداد، بت أولصو [6]في الجنوب والفرات ما زالوا يستعملونها .. دعكم من هذه الحماقات ، حتى القاف في عبارة الباب الشرقي تقلبونها الى جيم فتتحول الى عورة وكلمة بذيئة في حين كان علي بن أبي طالب قد وصف أجدادكم العراقيين بأنهم سنام العرب وجبهة الأنصار !!

    فاضل : من يسمع كلامك هذا ويقارنه بما تطعمه به من كلمات إنجليزية يضيع عقله ولن يعرف إن كنت عروبي أو انكلوفوني !

    الحاج : لا ، هذه ضربة تحت الحزام يا فاضل .. أنت تعرف إنه يقول هذه الكلمات بحكم العادة .. عادة تحكمت بلسانه في فتوته وشبابه وكهولته ، احمد الله على أنه لم ينس اللغة العربية .

    الجد فاضل : ثانكس [7] حجي محمد ، ما القصة ؟ ضميرك صاح هذا اليوم ، الله يستر !

    (تدخل أم نادر وهي امرأة طويلة القامة بملابس رثة وشعر أشعث . عيناها زائغتان . تسحب خلفها صرة صغيرة مربوطة الى يدها اليمنى بخيط .تحمل في يدها اليسرى صورة شاب هو نادر ابنها الذي قتل تحت التعذيب ،وسيرد ذكره في مشهد لاحق . تدخل أم نادر محدثة بلسانها وشفتيها صوتا تقلد به صوت المنشار الكهربائي المستعمل لقطع الأشجار .. تقترب من العجوز، تريه الصورة .يغطي العجوز وجهه بيديه ،كأنه يرفض أن يرى الصورة . العجوز تري الصورة لسمير، الذي ينظر متسائلا الى فاضل يبادر هذا الأخير الى تقبيل رأس المرأة .. يحيطها بذراعه. يخرج بها من الركح وهو يكرر لها هامسا:

    فاضل : يا خالة أم نادر ، الله يرحم الشهداء .. يا خالة أم نادر أنت أم البطل فلا تُقلقي روحه تُحزنيه .. إنه يراك ، إنه معك ..يا خالة .. يا أم نادر ..(يخرجان ثم يعود فاضل بوجه شاحب حزين )

    فاضل : كلما رأيتُ هذه المرأة شعرت بأن نياط قلبي تقطع بالسكاكين . في يوم واحد فقدت زوجها وابنها الوحيد .

    الحاج محمد : لا تبدو كلمة “فقدت” محايدة أبدا بل متواطئة و محتالة هنا ..حتى كلمة قتلوا لا تفي بالغرض .. لقد أعدموا ابنها الوحيد أمام عينيها وعيني زوجها. سقط الزوج ميتا في الحال ،وجنت هي ..يا الله العظيم ! أي درك في الوحشية والجنون بلغه الإنسان ليمزق إنسانا آخر بالمنشار الكهربائي !!

    الجد فاضل : الوحوش لا تمزق بعضها أو فرائسها إلا لتسهيل ابتلاعها عند الأكل ،وهي لا تهاجم وتقتل إلا حين تكون جائعة أما الإنسان فالقتل عنده عبثي ومرضي إن لم يكن نوعا من الرياضة أو التسلية القذرة.. وكلما تقدم هذا الذي نسميه مجازا “الإنسان” طورا في التحضر زاد إتقانه لفنون التعذيب والقتل ، فمن الأنبل ، الإنسان القاتل العبثي أم الوحش الأعجم الجائع ؟

    فاضل : أسئلتك دائما تحوي أجوبتها في داخلها .. فلماذا تطرحها ؟

    الجد فاضل : ( بسخرية مريرة ) لتطوير الحركة الرياضية في كركوك !!

    فاضل :طيب جدي، حين خرجت من قبتك[8] ، قادما الى هنا ألم تسمع شيئا غير طبيعي في دارنا ؟ هل سمعت أو رأيت شيئا غير طبيعي ؟

    الجد فاضل: لا أتذكر إن كنت سمعت أو رأيت شيئا طبيعيا أو غير طبيعي ..

    ( يتلاشى الضوء ويترافق ذلك مع صرخة طويلة حادة لامرأة في المخاض )

    المشهد الثاني 🙁 جاء الوجد )

    ثلاث نساء يحطن بامرأة بملابس بيضاء هي سُكينة زوجة فاضل ، امرأة بملابس ممرضة تجلس محتضنة رأس سكينة والمرأة 2 هي القابلة تجلس بين ساقي المرأة المنفرجتين والثالثة تقف ممسكة ومحركة ” مهفة ” خفيفة من الخوص تمروح بها على النساء ..تشتد الإضاءة بالتدريج ثم تخفت وتتحول الى ضوء فيضي أبيض رويدا رويدا

    امرأة 1: صبرا جميلا يا عزيزتي ..اصبري قليلا ..سينتهي الأمر بعد قليل .. تشجعي واطلبي العون من الله تعالى ..

    سكينة : يا الله ، يا الله ساعدني ، ماذا يحدث لي يا أم علي لقد ..لقد ولدت ثلاثة بطون ولم أعان حتى في ولادتي الأولى ما أعانيه الآن .

    امرأة 2: استهد بالله يا سُكينة ، استهد بالله يا أم كريم .. أنت امرأة شجاعة.. أنت أم الرجال ، اصبري قليلا يا عزيزتي ..قولي يا الله ..

    سكينة :يا الله ،يا الله يا أرحم الراحمين .. يا الله ساعدني ..كأن الجنين لا يريد الخروج الى الدنيا .. كأنه .. كأنه يتشبث بأحشائي ..إنني أحس بحركته إنه عصبي ومضطرب ، أطرافه الأربعة تتحرك ولكنه لا يريد الخروج ..

    المرأة 1: اهدئي يا أم كريم.أنت شجاعة و نشمية.. المحلة كلها تحلف باسمك .. اهدئي واطمئني ستلدين.. أؤكد لك ستلدين وستفرحين بمولودتك .. سيرزقك الله ما تمناه زوجك . وستكون في داركم عروس لطيفة بعينين بغداديتين وسيعتين وغمازتين كغمازتيك . قولي يا الله يا سكينة .. توكلي على الله ..

    سكينة : يا الله ، يا الله .. عليك توكلت .. وإليك أنبت ..

    القابلة : لتحضر إحداكن قدرا من الماء الساخن ومناشف نظيفة أخرى .

    ( تخرج امرأة 1 ..موسيقى هادئة مصحوبة بصوت ريح خفيفة وخرير مياه متساقطة ..أطياف وتهويمات ملونة تظهر وتختفي على مجموعة من الستائر السوداء والبيضاء في أعماق الركح ..

    صوت الشاعر :

    تلألأَ زهرُ المعنى

    في قلبِ النسيانِ

    وانثالَ رمادٌ من سحبِ العدمِ الأبكمِ

    صدرَ الماءُ رواءً وطريقا

    فاهتبلتْ شفتيّ اسماً من فعلينِ و ضوء

    وإذ صدرُ الماءُ نشيجاً

    ودخاناً كالماءِ

    اعتملتْ في أقصى البذرة

    أسئلةٌ وأزيزٌ فضيٌّ يستغرقُ قاعَ هواءٍ لوحهُ التخمينُ :

    ما الزهرُ ؟

    ما النسيانُ ؟

    ما الماء ُ؟

    ما البذرةُ ؟

    الزهرُ هو البذرةُ في ماءِ النسيانِ

    والنسيانُ هو الماءُ وقد صارُ ظلالا

    والماءُ ؟

    لـمَّ الملحُ جناحيه وحاكاني

    وإذ لـمَّ الملحُ الهائجُ بين الأشناتِ

    معانيه انتشرت في نسماتِ الصيف

    المذهلِ

    كأنفاسِ ملاكٍ مقدودٍ من خشبِ الصندلِ والنارِ

    وإذ لـمَّ الملحُ جناحيه احترقَ الليلُ

    فغادرني النسيانُ وجاءَ الوجدُ الوجدُ الوجدُ الوجدُ

    (أم نادر تعبر المسرح بصمت ، ووهن ونظرات مسافرة في البعيد.. إظلام )

    المشهد الثالث : ( يا بابل أين أنا ؟)

    محل الحاج محمد فاضل .. العجوز فاضل يغفو على كرسيه المتحرك والى جانبه وعلى طاولة صغيرة كيس قماش أبيض يحتوي على آلة عود .. يدخل شاب بيده حقيبة سفر صغيرة .

    الشاب : السلام عليكم .

    الجد فاضل 🙁 يستفيق من إغفاءته ويهمهم رادّا السلام على الشاب )

    الشاب : من فضلك يا حاج ألا تعلم متى سيعود صاحب هذا المحل ؟

    الجد فاضل : هاه ..هل أنت السيد سمير القادم من البصرة ؟

    الشاب :نعم أنا سمير ،ولكنك لم تجبني على سؤالي يا حاج !

    الجد فاضل: أنا والد صاحب المحل الحاج محمد ، وقد ذهب هو وابنه بعد أن انتظراك طويلا لتناول طعام الغداء وسيعودان بعد ساعة .اجلس ، لماذا أنت واقف هكذا .. (يتحرك الشاب باحثا عن كرسي ليجلس عليه ويجد واحدا.

    الجد فاضل : الله بالخير ابني .

    سمير : الله بالخير حجي !

    الجد فاضل : عودك جاهز .. ولكن إذا سمحت أعطني يور ادينتتي كارت[9] !

    سمير : ماذا قلت حجي ؟

    الجد فاضل : هويتك لو سمحت ..

    سمير : نعم تفضل (يناوله بطاقة تعريفه )..ظننتك كلمتني باللغة الإنجليزية ..

    .

    الجد فاضل : (متفحصا البطاقة ) نعم ،حدث ذلك، هل من العجيب أن يتكلم الإنسان لغة أجنبية في هذا البلاد ؟ (يعيد البطاقة الى الشاب )

    سمير : لا، ولكني فوجئت .. والآن هل يعجبك أن أسمعك شيئا على العود ؟

    الجد فاضل : وهل تجيد العزف ؟..ظننت أن أهل البصرة لا يجيدون غير الرقص على الإيقاعات الأفريقية التي جلبها زنوج علي بن محمد معهم !

    سمير : ( يخرج العود من الكيس ويبدأ بدوزنته ) أولا أنا لست من أهل البصرة تماما بل من مدينة الكوت وقد انتقلنا الى هناك قبل ثلاثين عاما أو أكثر قليلا .ولكن معلوماتك عن أهل البصرة غير دقيقة فمنهم فنانون عازفون مرموقون ومطربون كبار ..المهم ماذا تحب أن أسمعك ؟

    الجد فاضل : أسمعنا ما تحب ولكن أترك لي فرصة إهداء ما ستعزف لمن أحب ..

    سمير : لك ذلك ، اهدِ المعزوفة الى من تشاء ..

    الجد فاضل : إن كان لي الحق في إهدائها فأنا أهديها الى مدينتك الأولى الكوت التي شَهِدْتُ فيها أفظع جريمة في حياتي سنة 1915 ، وأهديها أيضا الى آلاف العراقيين الذين حوصروا في بلادهم خلال حرب بين جيشين محتلين والى العشرات منهم ممن اعتقلهم الفريق تشارلس طونزند الذي حوصر فيها هو وقواته واعتبرهم رهائن لديه ..

    (يبدأ الشاب بالعزف تحل العتمة تدريجيا وتتحرك التهويمات والأشكال الملونة على ستار في أعماق المسرح )

    صوت الشاعر :

    شَرَقَتْ بابلُ بالضوءِ نقياً.. والماءُ

    يلوبُ بينَ تخومِ العدمِ الممتدِ مسافاتٍ في الوجدِ

    و ظنونٌ ساحرةٌ تسري في لونٍ

    يتأرجحٌ كإلهٍ رمليٍّ فوق الماءِ

    ونظرتُ رأيتُ :

    بحراً في مقتبلِ العمرِ

    يفترسُ الصخرةَ والظلَّ فتدمعُ عينُ الإنسانِ

    تنبطُ من صدعٍ في لبِّ الصخرةِ

    نبضةُ صحو ممزوجٍ بالعنفٍ السائبِ والإشفاق

    يدوخُ المحُّ المتلكئُ

    يتذاوبُ

    يسترخي

    تتعكرُ صفرتهُ العسليةُ

    تصفو النبضاتُ وتسترسلُ في ترشيدِ عماءٍ مرٍّ

    يعدو كالمعتوهِ ويصرخُ :

    محٌّ محٌّ محٌّ محٌّ محٌّ وزلال.

    يتلاشى الوجهُ الأولُ والثاني

    من بدنِ العدمِ الغارقِ في الحيرةِ

    تتعالى موسيقى كالنملِ الأبيضِ يستقرئُ رائحةَ الطلعِ

    موسيقى تلمعُ كالحناءِ الرخوةِ تحتَ الماءِ

    موسيقى لا يسمعها إلا من رضعَ الطلعَ الأبيضَ

    موسيقى تسري كالنملِ الأبيضِ

    حينَ يحثُّ خطاهُ على زغبٍ يسجدُ فوقَ

    حصيرٍ دمويٍّ يتشاكلُ في هيئاتِ الأمشاجِ على

    دائرتينِ من الوهمِ الفاتنِ وحنيِن الأجنحةِ التواقةِ للطيران

    بينَ بساتينِ النخلِ الغاطسِ في بحرِ ضبابٍ قلقٍ

    طوقَ بابلَ فانكمشتْ تتضاءلُ كما قرصِ بنفسج

    حولَ الحلمةِ في نهدٍ شاكسهُ الفجرُ ندياً فانكمشتْ كالحلمةِ بابلُ

    يا بابلُ أين أنا ؟

    ( ينتهي الشاب من العزف)

    الجد فاضل : (مصفقا ومستحسنا العزف) الله ،الله ! أحسنت أيها الشاب أحسنت ..فري نايس ..ريلي [10] ..

    سمير : لقد عاد العود جديدا كما كان بل أفضل مما كان ..ولكن، هل قلت أيها الحاج إنك شهدت حصار الكوت سنة 1915؟

    الجد فاضل : نعم. وكنت أنا ومن معي محاصرين كرهائن بأيدي القوات البريطانية داخل الحصار التركي العثماني الأكبر . تصور حصار داخل حصار .. يبدو إن الأمر لم يتغير حتى في الحصار الحالي ..مازال العراق منذ بدايات القرن رهين المحبسين كأبي العلاء المعري ،أو حبيس الحصارين حصار خارجي معاد وآخر داخلي لا يقل قسوة وعنفا .

    الشاب : كيف ذلك ؟ لم أفهم قصدك ..

    الجد فاضل : يعني طاسة ببطن طاسة وبالبير غطاسة ..ألم تسمع بهذه الحزورة ؟

    الشاب : لقد زدت الأمر تعقيدا على تعقيد ..

    الجد فاضل : الطاسة الأولى كانت القوات التركية تحيط بمدينة الكوت كما قال الجنرال تشارلز طونزند إحاطة السوار بالمعصم . و الطاسة الثانية كانت القوات البريطانية التي كانت تحاصرنا نحن أهل الكوت ..كنت أنا ضمن بضعة آلاف من العرب العراقيين أشبه بالأسرى بل تستطيع القول بأننا كنا أسرى حقيقيين ومحاصرين من قبل القوات البريطانية التي تحتل المدينة ..

    المشهد الرابع : ( الذئب يتحصن )

    مدينة الكوت المحاصرة 1915. مقر قيادة أركان القوات البريطانية كخلية نحل .ضباط وجنود يدخلون ويخرجون .. الفريق “تشارلس طونزند ” يملي على أحد الجنود نص البلاغ التالي والضابط يرقنه على الآلة الطابعة .

    طونزند : بلاغ عام من الفريق الثاني تشارلس طونزند الى جميع جنود ومراتب القطعات البريطانية في منطقة العمليات في مدينة الكوت ..

    لقد قمتم بعمل مجيد بانسحابكم من طيسفون على مشارف بغداد وتراجعتم بانتظام مسافة ثمانين أو تسعين ميلا تحت أنوف الترك وعملكم هذا أسطع برهان على شجاعة هذه القوة وضبطها . لقد عقدت العزم على الدفاع عن الكوت وعدم الانسحاب منها الى محل آخر …واعلموا أن شرف وطننا وعاهلنا متوقفان على إفراغ كل ذرة من الهمة التي فينا في المدافعة عن هذا المكان ..علينا أن نتعمق في حفر الخنادق على جناح السرعة فلا تلحق بنا قنابل العدو حينئذ إلا أذى طفيف . ولدينا كميات وافرة من الطعام والعتاد ولكن على آمري الوحدات أن يقتصدوا في إنفاق العتاد ولا يسرفوا فيه بلا جدوى ..

    الفريق الثاني

    تشارلس طونزند

    الثالث من كانون الأول 1915 [11]

    ينبغي استنساخ عشرات النسخ من هذا البلاغ وتوزيعها على جميع القطعات ..

    الجندي1: (يخرج الورقة من الآلة الطابعة ) نعم سيدي ..سنفعل ذلك حالا (يؤدي التحية ويخرج يدخل ضابط آخر وبيده أوراق )

    الضابط 1 : (مقدما الأوراق الى طونزند ) قائمة مواد الإعاشة المتوفرة عندنا يا سيدي .

    طونزند : اقرأ ما لديك .

    الضابط 1: للجنود البريطانية أرزاق ستين يوما . للجنود الهندية أرزاق ستين يوما . وقود يكفينا لواحد وعشرين يوما وفي معمل السوس على الضفة الأخرى من النهر لدينا كمية أخرى تكفينا لثلاثة وثلاثين ويوما .الحبوب تكفينا لثلاثين يوما . علف للحيوانات يكفينا لسبعة عشر يوما .بسكوت يكفينا لأربعة أيام فقط ودقيق لسبعة وخمسين يوما وطحين هندي يكفينا لأربعين يوما .

    طونزند : كميات لا بأس بها ، ولكن علينا أن نتوقع أسوأ الاحتمالات صحيح أن النجدات والقوات البريطانية التي ستفك عنا الحصار لن تتأخر أكثر من المدى الزمني المتاح ،ولكن كما قلت ،علينا أن نحسب حساب المصادفات السيئة والاحتمالات السوداء .. حسن ، كم عدد سكان المدينة من العرب ؟

    الضابط 1: ليست لدينا إحصائية دقيقة .

    طونزند : اكتبْ تخويلا باسمي للحاكم العسكري لكي يشتري من الأهالي كل ما لديهم من حبوب ..ثم يصدر أمرا بعد ذلك بإخراج سكان البلدة ماعدا الذين يوصي بإبقائهم هو فيها لاستفادة منهم في حفر الخنادق وإنشاء الطرق بشرط أن لا يتجاوز العدد ستة آلاف شخص ودعه يرسل لي من بينهم عشرين شخصا من وجهاء المدينة ،أكرر من وجهاء المدينة ،ليكونوا بمثابة رهائن لدينا لنضمن بواسطتهم حسن سلوك غيرهم ..

    الضابط 1: هل قلت رهائن يا سيدي ..؟

    طونزند : نعم ، قلت رهائن .. ألم تسمعني جيدا ..

    الضابط 1: بلى سمعت ولكنني ..

    طونزند : آه ..لقد فاجأتك الكلمة ..طيب ، يمكنك استبدالها بكلمة أخرى ألطف منها في نص التخويل كأن تقول محتجزين أو مقطوعين ولكن المشكلة ستظل هي هي .. فهؤلاء العراقيون التعساء سيكونون رهائن ..هيا ، هيا ، أسرع بتنفيذ ما أُمرت به .

    الضابط1 : حاضر يا سيدي .

    (يقترب ضابط ثالث من طونزند وبيده منظار ميداني )

    الضابط 2: وأخيرا عثرنا على الدار التي تصلح لتكون مستشفى لنا .. إنها هناك يا سيدي ( طونزند يتناول منه المنظار ويقترب من النافذة )

    طونزند : هل تفحصتموها من الداخل ؟

    الضابط 2: نعم يا سيدي . إنها متينة البناء ومؤثثة بشكل أنيق وبارع حتى ليصعب على المرء أن يصدق أن صاحبها ..

    طونزند : الأتراك ليسوا جميعا همجا، لقد عاش بعضهم لسنين طويلة في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا و..

    الضابط2: لو كان الأمر يتعلق بشخص تركي يملك تلك الدار لهان الأمر ، على اعتبار أن الكثيرين من الأتراك سافروا وعاشوا لفترات في أوروبا، ولكنه ليس تركيا بل عراقي عربي ..أجل يا سيدي إنه شخص عراقي مالك تلك الدار يا سيدي .

    طونزند : ويحك يا جيمس ! ألا تعلم إن العراقيين هم من علم البشرية القراءة والكتابة وتشييد المدن وهم الذين اخترعوا العجلة ورسموا أول خريطة للكون وكتبوا أول ملحمة شعرية عن الخلود والموت ؟ سحقا ،لا تكرر ما قلته لك توا أمام جنودك لئلا يقعوا في غرامهم فيؤثر ذلك على معنوياتهم .. ولكن قل لي ، من كان صاحب الدار وماذا فعلتم به ..؟

    المشهد الخامس (العسكري التركي ينقلب مترجما )

    محل الحاج محمد فاضل . العجوز فاضل مواصلا قص حكايته لسمير .

    الجد فاضل : ..كان صاحب تلك الدار أبي . وكنت أنا شابا يافعا وضابطا صغيرا في الجيش التركي العثماني، وبالمناسبة سأبقى فيه ضابطا صغيرا حتى اليوم الذي غادرته فيه .. كنت في إجازة عند أهلي يوم انسحبت قوات تشارلس طونزند واحتلت كوت الإمارة .ولكي لا أمضي عمري في معسكرات الأسرى البريطانية في الهند كأسير حرب أتلفت ملابسي العسكرية وأخفيت متعلقاتي العسكرية الأخرى واستقر رأي العائلة وباقتراح من والدي على أن انتحل دور طالب جامعي عائد من اسطنبول في إجازة ويمكنني الاستفادة من لغتي الإنجليزية الجيدة ..

    سمير البصري :وهل انطلى الانتحال على البريطانيين ؟

    الجد فاضل : والى درجة لم أكن أتوقعها ..أكثر من ذلك إنني كنت أدخل بسهولة مقر القيادة البريطانية والمكتب الشخصي للجنرال طونزند بصفتي “هز برايفد ترانسليتر [12]” أي المترجم الشخصي لقائد القوات تشارلس طونزند .. وكنت أتقاضي على أتعابي وجمع أسرارهم التي كنت أبعث بها بانتظام الى قيادتي راتبا مجزيا ..

    سمير البصري : والدار ، داركم ؟ هل استولوا عليها فعلا ؟

    الجد فاضل : نعم ولكن بعد أن دفعوا لنا تعويضا لا بأس به . لا بد من قول الحقيقة. الله تعالى يقول ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) صحيح إن البريطانيين من أقسى المستعمرين والغزاة الهمج في التاريخ ،ولكن لنقل إنهم همج ذوو استقامة و شيء يشبه الشرف .وقد وعدوا بمضاعفة التعويض بعد انتهاء الحرب ولكن الطائرات الألمانية التي كانت تقاتل الى جانب الأتراك دمرت الدار وساوتها بالأرض ..

    (يدخل فاضل مهموما )

    فاضل : السلام عليكم .

    سمير البصري : وعليكم السلام ، كيف حالك يا أبا كريم ؟ يبدو عليك إنك لست على ما يرام ؟ خير ؟

    فاضل : ( مصافحا سمير بلا حماس ) أهلا أخ سمير.. لا شيء ! بعض المتاعب الصغيرة .

    الجد فاضل : أ لم يأتها الفرج بعد ؟

    فاضل : لا ، المسكينة تعاني وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئا .. الممرضة والقابلة تقولان إن نقلها الى المستشفى يشكل خطرا على حياتها وحياة الجنين واستمرار التعسر يشكل خطرا آخر ..

    سمير البصري :عمن تتكلم ؟ عن ..

    فاضل : عن زوجتي ، إنها تعاني من ولادة متعسرة . تصور امرأة تلد للمرة الرابعة ويحدث لها تعسر ، هل هذا معقول ..؟ منذ يومين وهي على هذه الحال ..

    سمير : اسمع هذه ليست الحالة الوحيدة ، إنها ظاهرة مرضية آخذة بالانتشار . والحل هو بالولادة المائية .

    فاضل : الولادة المائية ؟ ماذا تقصد ..؟

    سمير البصري : الولادة المائية يا فاضل هي طريقة شعبية قديمة للتوليد عاد إليها الناس .إنها سائدة في البصرة ومدن الجنوب ويبدو أنكم لم تسمعوا بها ..

    فاضل :أسرع بالله عليك وأطلعني عليها .

    سمير : حسنا ،حسنا .. اسمع ! هل لديكم بانيو، أقصد حوض استحمام ، في البيت ؟

    فاضل : نعم ، ثمة واحد في الحمام .

    سمير : يجب أن يملأ البانيو بالماء الفاتر و يخلط الماء مع بعض الأعشاب العطرية كالبابونج والنعناع والريحان و وقليلا من جريش قشور الليمون ثم تجلس الحبلى فيه باسترخاء كامل وسيكون مفيدا لو كان فوقها مرشة ماء مستمرة ..

    فاضل : هل هذا كل شيء ؟

    سمير : هذا كل شيء !

    فاضل : سأعود حالا .. شكرا لك شكرا جزيلا أيها الأخ ..( يخرج مسرعا مرتبكا )

    سمير : لقد أخذني الكلام و فاتني قطار اليوم .. سيكون عليَّ أن أبيت الليلة في بغداد ..

    الجد فاضل : هل كنت جادا في موضوع الولادة المائية ؟

    سمير : ولماذا تشك في ذلك ؟ أي مصلحة لي في ألا أكون جادا ؟

    الجد فاضل : لا ، ولكنني وعلى الرغم من إن عمري يقترب من القرن الكامل لم أسمع بعلاجك الشعبي هذا لا في العراق ولا في غيره ..

    سمير : الحاجة أم الاختراع يا حاج .. ثم أن الأمور بنتائجها ..وعلى أية حال لا خطر هناك من هذه الوصفة وليس للنعناع أو الليمون أضرار جانبية كما تعلم .

    الجد فاضل :آه ، هو إذن اختراع جديد وليس علاجا شعبيا !!بصراحة :أنت تذهلني بثقتك بنفسك .. أنت متفائل وكأن المرأة ستلد فعلا في هذه الشورباء العطرية التي فبركتها ..

    سمير : لن تلد بسرعة على أية حال ..ستعاني قليلا .. ولكنها معاناة إيجابية . معاناة مع الأمل الذي يأتي به الماء الفاتر المعطر ..

    (إظلام .. مع صرخة حادة وطويلة لامرأة تعاني المخاض وعبور آخر لأم نادر بخطوات حيوية واثقة مهمومة )

    المشهد السادس 🙁 الخروج الى النور)

    ( المرأة في حوض المرمر ، يهطل عليها الماء من مرشة فوقها ، الممرضة والقابلة يمسكان بالمرأة . يتعالى عزف العود مع حركة التهويمات والومضات الملونة على الستائر . صوت المياه المتساقطة يبدو مسموعا بوضوح ..)

    صوت الشاعر :

    تندلقُ الدهشةُ

    دفقةَ لحنٍ مرتجلٍ بين الهاءِ الرطبةِ والسيِن الغسقيةِ والباءِ .. هَسَبٌ هَسَبٌ هَسَبٌ ،يتداعى هيكلُ صمتٍ في صوتِ

    النونِ المندسةِ حشو تويجاتِ التنوينِ

    يتلاشى الوجهُ الثالثُ والرابعُ بينَ الحناءِ و جورِ زلالٍ ورديٍّ

    يبرق ريش مكتوم الأسرار

    بينَ تباريح في زلالِ ما عادَ يسليهِ اللونُ الورديُّ

    وبينَ الشوقِ القادمِ من أعماقِ فراتٍ هائمِ

    يبرقُ ريشٌ مفضوحُ الأضواءِ

    كجمرٍ أعمى مدفونٍ في أعماقِ زمانٍ أعمى

    وإذ يبرق ريشي يتلاشى الوجهُ الخامسُ في ضحلِ السكرِ

    يتمطى اللحمُ طرياً في أشباحِ الصلصالِ اللزجِ

    يتداخلُ قوسٌ مكتظٌ بالنياتِ السيالةِ

    يتفرعُ ذوبُ القوسِ نجوماً

    يرعاها شلالُ رنينٍ مهموسٍ

    وأرى بين الذراتِ المشغولةِ بالدورانِ الحلزونيِّ

    خيطَ حليبٍ

    تتناهبه فجواتُ الرغبةِ والغيظِ

    وأرى بين الفجواتِ

    هلاماً يتراقصُ حراً

    ويدغدغُ بالنظراتِ

    اللحمَ الهاجعَ

    بين تفاصيلِ الأجنحةِ الثكلى بالمجهول

    تغزو القوةُ هيئةَ منقاري

    يتلاشى الوجهُ السادسُ

    يتمخضُ وعيُّ الماءِ عن سهمٍ من صخرٍ غرٍّ

    في طرفِ المنقارِ

    أطرقُ .. أطرقُ .. أطرقُ قشرَ البيضةِ فأكونُ .

    ( يتلاشى الضوء والأطياف وتعود الإضاءة على النساء.. إحداهن تطلق هلهولة طويلة ومرحة .القابلة تحمل الوليدة ملفوفة بقماشة بيضاء، الأخريات ينشغلن بالمرأة الوالدة . المرأة التي تحمل الوليدة تتجه خارجة من يمين الركح.. هلهولة أخرى تتلاشى ببطء ..إظلام )

    الفصل الثاني

    المشهد الأول 🙁 حساب الخصوصيات العراقية )

    1915 مدينة الكوت المحاصرة ..في أماكن مختلفة تشاهد مجموعة من النساء بعضهن يعجن العجين وأخريات يخبزنه في تنانير طينية . عمود ضوئي يسلط على طفل رضيع ملفوف بقماشة بيضاء في فيء جدار طيني .امرأة تقترب من رضيعها الباكي . تتناوله بحنان وقلق وتجلس لترضعه ..تدخل مجندة بريطانية بخطوات واسعة وبيدها سوط طويل .

    المجندة : ما هذا يا امرأة ؟ ألا تكفين عن تضييع الوقت والتهرب من العمل .. هيا عودي الى عملك فورا .

    المرأة المرضع : ولكن الطفل يبكي ، إنه جائع يا خاتون..

    المجندة 1: ( تسوط الهواء ) اخرسي أيها المتخلفة وعودي الى عملك . لقد سمحنا لك باصطحاب حيوانك الصغير هذا ،ولكنك كما يبدو تريدين أن تجعلي منه سببا للانقطاع المتعمد عن العمل .

    المرأة المرضع : الرحمة يا خاتون. الرضيع جائع إنه يلتهم ثديي التهاما .

    (تقترب امرأة أخرى حاملة سلة من الخبز من المجندة )

    المرأة 2: يا خاتون ،لقد انتهيت من خبز حصتي من العجين ،وسوف أقوم بعمل هذه المرأة نيابة عنها فاتركيها ترضع صغيرها .

    المجندة 1: وأنت من أعطاك الحق في التدخل والكلام في ما لا يعنيك .. إذا كنت قد انتهيت من خبز تلك الكمية من العجين فخذي كمية لعينة أخرى منه واخبزيها هيا ..

    المرأة 2: ولكني أنهيت حصـ..

    المجندة 1 ( مقاطعة ) أنا التي تقرر هنا من انتهى من عمله ومن لم ينته .. قلت لك عودي الى عملك واغلقي فمك ..

    ضابط بريطاني 3: من فضلك يا مس كرين ، هل يمكن أن تتكرمي علي بدقيقة من وقتك الثمين ؟

    المجندة 1: حالا يا سيدي . سأفرغ من موضوع هذه المرأة و أوافيك مباشرة ..

    الضابط 3: دعيها وشأنها وتعالي ..

    المجندة 1( تقترب من الضابط وتؤدي له التحية العسكرية) : تحت تصرفك سيدي الضابط .

    الضابط : إنني أعرف مقدار حرصك الصادق على أداء مأموريتك وعلى أحسن ما يرام .. لكني أقترح عليك أن تخففي الضغط على النساء لكي لا يحدث ما نحن في غنى عنه ..

    المجندة 1: أنهن يا سيدي يثرن أعصاب الدب القطبي بهدوئهن ولا مبالاتهن ..

    الضبط 3: لاحظت ذلك .أنت على حق . ولكن عليك أن لا تنسي إنهن وأزواجهن أشبه بأسرى الحرب ..نحن بصراحة نسخرهن للقيام بأعمال لا يجوز أن يكلف بها حتى الأسرى الحقيقيين .ثم عليك يا آنستي أن تحسبي حساب خصوصيات هؤلاء النسوة . لقد أضربوا كلهم رجالا ونساء قبل أيام عن العمل في بناء التحصينات حين علموا بأننا عينا ضابط صف كرقيب على عمل نسائهم و لم يهدءوا ويعودوا الى العمل حتى عيَّناك أنتِ عوضا عن ضابط الصف .. ولعلك سمعت بحادثة الجندي الهندي الذي صفع أحدهم وكان المضروب ابن أحد شيوخهم فهاجموا الجندي الهندي و فتكوا به رفسا بأقدامهم ولكما بقبضاتهم .. لقد كاد الأمر يتحول الى مجزرة رهيبة بين قواتنا وجمهور الأسرى العرب بسبب خطأ صغير وسوء تصرف غير محسوب العواقب .

    المجندة 1: حسنا يا سيدي ، إنني آسفة يبدو إنني ارتكبت خطأ خطيرا ..سأفعل ما أستطيع لكي لا يتكرر .ولكن أرجو أن تغفر لي فظاظتي بسبب قلة التجربة .

    الضابط 3: لا عليك يا مس كرين ، لحسن الحظ أنت لم ترتكبي الخطأ الخطير بل كدت ترتكبيه .. أتمنى لك وقتا طيبا .. وإذا كنت بحاجة الى المساعدة فلا تترددي .

    المجندة 1: شكرا جزيلا لك سيدي الضابط ، وداعا (وكأنها تذكرت شيئا ) سيدي ..

    الضابط 3: ماذا ؟

    المجندة : لقد خطرت لي فكرة ربما اعتبرتَها حمقاء ولكني سأقولها لك ..

    الضابط 3: تفضلي ، قولي ..

    المجندة 1: إذا فكرتم بتعيين مراقبات من النساء على الرجال فأنا مستعدة للمشاركة .

    الضابط 3: ماذا ؟.. نساء يراقبن رجالا ؟ ورجالا عراقيين ..؟

    المجندة 1: أجل ..ونساء شقراوات أيضا.

    الضابط 3 : فكرتك هذه إما مجنونة أو عبقرية .. سأفكر بها على كل حال وأبلغك النتيجة، في الوقت المناسب .

    ( إظلام )

    المشهد الثاني : (الدخول في المحظور )

    محل الحاج فاضل . الشاب فاضل يمسك بطبق الحلوى ويقدم منه لمجموعة من الناس في المحل ولبعض المارة .

    فاضل : ( مقربا الطبق الى سمير البصري ) خذ قطعة أخرى يا رجل . أنت حقك علينا ذبيحة وليس حبة ملبس . ولكنني لن أنسى فضلك عليَّ ما حييت .

    سمير : استغفر الله يا أخي . أنا لم أجترح مأثرة فأحرر فلسطين . كل ما هناك وصفت لك حماما بالأعشاب والماء الفاتر .

    فاضل : كيف لا تكون هذه مأثرة ؟ أنقذت حياة زوجتي وابنتي من الموت .. بعد مرور عشر دقائق على وضعها في حوض الماء ولدت زوجتي وهي التي تعسرت ولادتها يومين ونصف ..

    سمير : الأعمار بيد الله يا فاضل ،وأنا كنت مجرد وسيلة لا أكثر ولا أقل ..

    الحاج محمد : صدقت أيها الشاب ..ولكن قل لي يا فاضل كيف حال الوليدة الآن ؟

    فاضل : إنها بخير .. تنفسها منتظم ودرجة حرارتها.. ولكنها ترفض أن تفتح عينيها .. لقد رأيتها بنفسي وهي تطبق جفنيها على عينيها الصغيرتين إطباقا تاما وكأنها لا تريد رؤية ما يحيط بها ..لو لم تقسم لي القابلة بأنها رأت عيني الصغيرة مفتوحتين لثوان قليلة لخامرني شك في إنها .. ربما .. أقول ربما .. الحاصل .. الأكثر غرابة من ذلك هو إنها ولدت ولم تستقبل العالم كسائر الأطفال بتلك الصرخة المجلجلة .. قالت لي القابلة أم كاظم بأنها ظنت في البداية أن الوليدة قد فارقت الحياة بسبب طول التعسر ولذلك لم تطلق صرختها تلك ولكنها اطمأنت الى أنها حية حين وجدتها تتحرك ..

    أمر غريب أ ليس كذلك ؟

    الجد فاضل : وما وجه الغرابة في ذلك ؟ الغرابة ذاتها تستغرب مما يحدث هذه الأيام ! ولو قدر لي أن أروي حكايتك قبل نصف قرن ،وأقول للناس أن بغداديا رزق بطفلة وأخذ يوزع الحلويات ابتهاجا بهذه المناسبة لرجموني بالأحذية لأنني كما سيظنون أسخر منهم أو لأنني مجنون وقح.

    سمير : لكلِّ زمانٍ دولةٌ ورجالٌ يا حاج !

    الجد فاضل : هذا صحيح فالزمان يجري كنهر دجلة ولكنه أحيانا يشح بخيره فيموت الناس عطشا وأحيانا أخرى يفيض فيُغرِقُ ويُدمِرُ ..

    الحاج محمد : دجلة أكثر شبها بالدولة وليس بالزمان من هذه الناحية ..

    الجد فاضل : لا أعتقد ذلك لأن دجلة نبع خير وسبب حياة . تلك قاعدته التاريخية على الرغم من تقلباته التي تدخل في الإكسبشن[13] أي في .. في..

  2. يا ريت أستطيع التواصل معه

    مرحبًا بكم وحفظكم ربي من كل سوء

    ما هذا !!!
    بسم الله ما شاء الله
    يا ترى :
    كيف السبيل لأتواصل معه ؟
    وإلى أن أحظى بجميل ردكم
    أترككم بحمى الرحمن
    أبو هيثم