السبت , ديسمبر 14 2019
الرئيسية / المجلة / مهن إبداعية / حنان النحراوي.. فنانة من الصمت

حنان النحراوي.. فنانة من الصمت


علمت أن اليأس لا يصنع شيئا، وأن لكل مكروه ظلال من الخير لا يبصره إلا المتفائلون، فنقبت عن الحقيقة بين ركام اليأس، لم تكل اللوم يوما على القدر بل رضيت به، منطلقة إلى عالم رحب، محطمة قيودها، لأنه لا مكان في الدنيا للضعيف المهزوم، فبذلت قصارى جهدها لتغرس البذور، زرعت ورعت زرعها، حتى خرج يانعا، معطرا بنسمات الأمل، الذي يزيح النقاب عن صوت الحياة الذي يصرخ بداخلنا، لتقدم لكل المعاقين دعوتها للتفاؤل، واضعة مسمارا في نعش اليأس.

ضربت الفنانة حنان مرزوق قطب النحراوي أروع الأمثلة للتحدي، فحولت لوحاتها إلى كلمات تعبر بها عن كل ما عجز لسانها عن التعبير عنه، لتنطلق من المحلية إلى العالمية، بدأت رحلتها مع الإعاقة عندما كان عمرها ست سنوات حيث أصيبت بحمى شديدة، حاولت الأسرة علاجها، ولكن نظرا لضيق ذات اليد تدهورت حالتها لتخرج من وعكتها الصحية فاقدة للسمع والنطق تماما.

 ولكن رب ضارة نافعة.. لأن تلك الظروف القاسية التي قذفتها الحياة إلى حنان كتبت فصول قصة "مولد فنانة"، فحنان بعد إصابتها بالصمم لم تجد وسيلة للتواصل مع أسرتها غير الرسم، لتعبر به عما تريد قوله باللسان، حتى أصبحت تسمع بألوانها، وتتكلم بفرشاتها، وتحول فنها من وسيلة للتعامل مع الأسرة إلى طريق انطلقت به إلى العالمية، بعدما وجد مدرسوها في معهد الصم والبكم بمحافظة المنوفية بدلتا مصر أنها موهوبة فنيا، فشجعوها على المضي قدما في ثقل موهبتها، وبالفعل اشتركت الفنانة في معارض محلية وعالمية باسم المعهد، بعدها حصلت على الدبلوم المهني من نفس المعهد والتحقت بجمعية الفن الخاص بالولايات المتحدة.

نالت أعمال حنان إعجاب العديد من الرسامين كان على رأسهم الفنان الكبير مصطفي حسين الذي أشاد بلوحاتها، كما كانت أستاذة الإعاقة نادية العربي من بين من آزروا الفنانة في رحلتها، وأول معرض أقامته النحراوي كان بمساعدة الفنانة نبيلة عبيد، بعدها سطع نجمها وشاركت في العديد من المعارض والمسابقات في مختلف الدول العربية كالمملكة العربية السعودية والإمارات والكويت، وفتح إبداعها التشكيلي الباب للمشاركة في المعارض الدولية فشاركت في معارض أقيمت في فرنسا وهونج كونج، وتركيا والصين، وحصلت عن مشاركتها على عدد من الجوائز تزيد على خمس وعشرين جائزة، منها جائزة جمعية الفن الخاص في هونج كونج عام 1992م، وجائزة عن مشاركتها في معرض الشارقة عام 1999م، وتركيا سنة 2001، والمملكة العربية السعودية عام 2004م.

عقبات كثيرة وقفت ولازالت أمام حنان النحراوي فهي تشكو من أن أحدا لا يساعدها في استكمال مشوارها الفني، فهي تسعى لتخريج جيل من الفنانين الصم والبكم وذوي الاحتياجات الخاصة على نفقتها الخاصة، ولكنها لا تجد اهتماما كافيا من الجهات المسئولة، وذكرت في إطار ذلك موقفين وصفتهما بأنهما وصمة في جبين الحياة الفنية في مصر، وذلك عندما رفض أحد المسئولين أن يقيم لها معرضا خاصا لمجرد أنها خرساء، كما ذكرت أنه في أحد المعارض التي شاركت فيها تعمد منظمو المعرض وضع لوحاتها وزملائها بكل إهمال، مكتفين بلافته من الورق العادي كتب عليها "هذه أعمال الصم والبكم".

لم تثن تلك التحديات انطلاقة الفنانة التشكيلية حنان النحراوي في التعبير عن كل منغصات العالم العربي، فكانت خير معبر عن أزماته التي تؤرقه بعد دخل إلى نفق مظلم تسكنه الخفافيش والذئاب، ففي كل قضية تطلع علينا الفنانة بلوحاتها تتكلم فيها الألوان، ويعلو صوتها حتى يبلغ الصراخ، فمن أرض العراق وفلسطين ولبنان، حتى أرض الصومال والسودان، صرخت لوحاتها ولسان حالها ولسان حالها "أين السلام وقيم الإسلام.. في الأراضي العربية".

 ومن بين ما رسمته أنامل الفنانة لوحة تعبر بها عن حرب تموز عن الوجه القبيح لإسرائيل وأمريكا، كما رسمت الفنانة أفواج من الحمام تطير وأخرى مذبوحة كناية عن انهيار السلام وتحوله إلى خرافة، وعملان يجسدان أطفال الانتفاضة ورميهم لليهود بالحجارة، وكان المنع من السفر إلى بعض البلدان نتيجة لتلك اللوحات التي عبرت فيها عن الألم الذي يعتصرها كلما رأت مجزرة من مجازر إسرائيل على أرض فلسطين ولبنان، وكل طفل مشرد في العراق، كما تفاعلت الفنانة مع القضايا المثارة في نطاقها المحلي داخل مصر كالفقر والبطالة وتدني مستوى المعيشة، معبرة بلوحاتها عن إحساسها تجاه كل ما يحدث في الوطن.

وحنان زوجة لرجل أصم ولها أربعة أبناء هم باسم ويدرس في كلية الهندسة ومروة في المرحلة الثانوية وسارة في المرحلة الابتدائية ويمني "آخر العنقود" لا زالت في الحضانة، تعلموا جميعا لغة الإشارة لكي يتعاملوا معها، وتعمل في إحدى الشركات منذ 25 عاما، كما يتم الاستعانة بخبراتها في الكثير من الجمعيات والمؤسسات المعنية برعاية الصم والبكم في الوطن العربي، كجمعية بنت محمد القاسمي لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في الإمارات، وتعتبر الفنانة أن الرسم حياتها فهي تنفق عليه وتقتصد من مصروف بيتها لكي توفر ثمن الألوان والأدوات التي تستخدمها في الرسم، رغم أنها لا تحصل على أي دخل من لوحاتها ومعارضها.

 


شاهد أيضاً

طفلة تخفى زجاجات نقل الدم فى لعبة teddy

طفلة تخفى زجاجات نقل الدم فى لعبة teddy

يرغب جميع الآباء والأمهات فى رؤية أطفالهم بصحة جيدة، ومع ذلك هناك أوقات لا مفر …