السبت , أكتوبر 31 2020
الرئيسية / حلول مبتكرة / 22 جنيه مقابل ربع مليون.. تجربة واقعية
22 جنيه مقابل ربع مليون.. تجربة واقعية
22 جنيه مقابل ربع مليون.. تجربة واقعية

22 جنيه مقابل ربع مليون.. تجربة واقعية


بقلم الفنان/ هيثم غراب

في رواية ديستويفسكي “أعداء بلا أخلاق” يروي الكاتب أن فتاة أطلقت النار على شخص بالشارع.. وفي التحقيق معها سألها القاضي عن دوافعها إلى ذلك، فأجابته بأن هذا الشخص دأب على تعذيب عُمّاله وإهانتهم، فيستفسر منها: وهل لك بينهم قريب؟ فترد بالنفي.. فيندهش سائلاً: ” وما الذي دَفعكِ إذاً إلى إطلاق الرصاص عليه؟”. فتقول:” لكي يُدرك هو والآخرون أن إهانة البشر لا ينبغي أن تمر بلا عقاب”!

لم تكن الفتاة الشابة تدافع عن خطيبها أو والدها أو شقيقها، كانت تدافع عن مبدأ، عن فكرة، أنه لاينبغي القبول بإهانة أي إنسان. لم تكن ثمة مصلحة شخصية لديها، لكن مصلحة إنسانية عامة.

هذا بالضبط ما فعلته “سيدة القطار” عندما قفزت من كرسيها لمنع إهانة “مجند” اعتبرته أحد أبنائها لم يكن في جيبه 22 جنيها ثمن تذكرة السفر، فسخر منه مفتش القطار ورئيسه، وأهانوه، فقامت تتصدى لهما، وفيما بعد علقت على ماجرى بقولها:” كان لازم أعمل حاجة لأن الركاب سكتوا على الإهانة”!.

 لم يكن الجندي البسيط ابنها ولا زوجها، لكنها كانت تدافع عن مبدأ، عن فكرة كما في الرواية الروسية.

“سيدة القطار” ليست وحدها بمصر، لكن لدينا المئات بل الآلاف من سيدات ورجال القطارات، لكن مشكلة السوشيال ميديا وخاصة موقع فيسبوك أنه يجعل ما يطفو دائما على السطح هي النماذج المُخجلة، فمصرعلى أرض الواقع مليئة بالتفاصيل والحكايات النبيلة والجميلة بحلوها ومُرها، للأسف الشديد، هنا ما يبدو وكأنه إصرارعلى ترسيخ كل شئ سيء وتعظيمه حتى وصلنا لمرحلة أن هذه النماذج السيئة هي الأساس، بينما الإيجابي هو الأمر الشاذ.

ما أريد قوله أن المصري بحاجة فقط للتوجيه وإبراز العناصر الإيجابية ليقتدي بها، خاصة لو ظهر ظرفا يستدعي ذلك، وهذا بالضبط ما حدث معنا في مبادرة لدعم أحد مستشفيات العزل بمحافظة الجيزة، فبمجرد دعوة الأهالي للتبرع بواسطة جمعية خيرية وبتصاريح معتمدة من وزارة التضامن، وصلت تبرعات المواطنين العينية والمادية خلال ثلاثة أيام فقط إلى حوالي 250 ألف جنيه!.. نعم الرقم صحيح، ربع مليون جنيه في ثلاثة أيام فقط من الأهالي، بعضهم تبرع بأجهزة تنفس وضغط، والبعض تبرع ببدل العزل للأطباء،والبعض الآخر بكراتين مياه معدنية، وآخرين بالكمامات أو باقي مستلزمات الأطباء، وكل ذلك من أجل سلامة المرضى الذين لا تربطهم صلة قرابة أو معرفة، إضافة إلى ذلك أنني قمت مع مجموعة من زملائي وأساتذتي الفنانين التشكيليين بتدشين مبادرة #مزاد_الخير لبيع لوحاتنا وريعها بالكامل وصل للمستشفى في شكل إيصالات تبرع تابعة لإحدى الجمعيات الخيرية، وتم شراء أجهزة طبية وتوجيهها للمستشفى بعينها.

الخلاصة: مصر مليئة بكل ما هو طيب وإيجابي، وفي الواقع هناك الآلاف من الست صفية “سيدة القطار”، وشاب الثانوية العامة بائع الفريسكا، وإنني أتحدى القاريء شخصيًا ألا يستطيع الآن وفورًا خلال قراءة المقال بتذكر مائة صفية في حياته، وألف بائع فريسكا.

مصر جميلة بناسها والله