السبت , نوفمبر 28 2020
الرئيسية / حلول مبتكرة / ويليام هارفي.. مكتشف الدورة الدموية
ويليام هارفي.. مكتشف الدورة الدموية
ويليام هارفي.. مكتشف الدورة الدموية

ويليام هارفي.. مكتشف الدورة الدموية


كانَ التحدي كبيرًا في ذلكَ الزمانِ؛ فالرجلُ الإنجليزيُّ ذو الشاربِ الكَثِّ؛ على وَشْكِ تغييرِ التاريخ. في غرفةٍ داخلَ منزلِهِ الإنجليزيِّ الفسيحِ، جلسَ العالِمُ الفذُّ “ويليم هارفي” يخُطُّ بحثَهُ الثوريَّ، بخليطٍ منَ الحذرِ والحماسِ. يعلمُ “هارفي” أنَّ ما يكتبُهُ قدْ يُدمرُ سمعتَهُ العلميةَ إلى الأبدِ، إلا أنهُ مضَى في الكتابةِ. متحديًا رأيَ أحدِ أعظمِ الأطباءِ في التاريخِ… الرومانيِّ الذي سادتْ آراؤُهُ واجتمعتْ حولَها العقولُ أكثرَ منذُ القرنِ الثاني الميلاديِّ وحتى عامِ ألفٍ وستِّمِئَةٍ وثمانيةٍ وعشرينَ.. ذلكَ العامَ الذي اكتشفَ فيهِ “هارفي” الدورةَ الدمويةَ الكبرى. والتي تؤكدُ أنَّ الدمَ يسري عبرَ الجسدِ في دورةٍ مغلقةٍ يتحكمُ فيها القلبُ بصورةٍ أساسية.

كانَ ذلكَ الاكتشافُ بمنزلةِ صدمةٍ للمجتمعِ العلميِّ؛ فقدِ استقرَّ يقينُ العلماءِ طيلةَ خمسةَ عشَرَ قرنًا على أنَّ الدَّمَ ينتقلُ بعضُهُ منَ البُطينِ الأيمنِ إلى الرئتينِ، أما بقيتُهُ فتنتقلُ عبرَ مسامَّ موجودةٍ في الجدارِ الفاصلِ بين البطينينِ إلى البطينِ الأيسر!

دَحْضُ تلكَ الفكرةِ؛ التي نراها ساذجةً الآنَ بفضلِ اكتشافِ هارفي الدورةَ الدمويةَ الكبرى؛ كانَ بدايةَ الطريقِ الذي قادَ الدنماركيَّ “أوجست كروج” للحصولِ على التكريمِ الأهمِّ.. جائزةِ نوبل الطبِّ لعامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وعشرين.

بعدَ أربعِ سنواتٍ من وفاةِ “هارفي” مكتشِفِ الدورةِ الدمويةِ الكبرى؛ جاءَ العالِمُ الإيطاليُّ الكبيرُ “مارتشيللو مالبيغي” ليُلاحظَ أنَّ الدمَ يتدفقُ عبرَ أوعيةٍ دقيقةٍ منَ الشرايينِ إلى الأوردةِ. تلكَ الأوعيةُ -التي نعرفُها الآنَ باسمِ الشُّعيراتِ الدموية، والتي يبلغُ قطرُها حوالَي ألفِ جزءٍ منَ الملليمتر.

تشكلُ تلكَ الشعيراتُ شبكاتٍ معقدةً يختلفُ شكلُها وكثافتُها تبعًا للأنسجةِ المختلفة. يمرُّ الدمُ عبرَ تلكَ الشبكةِ ليُنجزَ المهمةَ المنسوبةَ إليهِ منذُ الأزل.. دعمَ الوظائفِ الحيويةِ للجسم.

فعبرَ جُدرانِ الشعيراتِ الدمويةِ؛ تلكِ الجدرانِ الرقيقةِ المرنةِ، يطلقُ الدمُ -أو يمتصُّ- الموادَّ التي يتمُّ استخدامُها؛ أو تشكيلُها؛ في الأنسجةِ؛ وبتلكَ الطريقةِ، يوفرُ نقلَ الموادِّ عبرَ الجسمِ. لإعطاءِ فكرةٍ عنْ ذلكَ الأمرِ؛ يتمُّ نقلُ حوالَي ثلاثِمئَةِ سنتيمترٍ مكعبٍ منَ الأكسجين في الدقيقةِ منَ الرئتينِ إلى الأنسجةِ عندَ الرجالِ في وقتِ الراحةِ. تزدادُ تلكُ الكميةُ خلالَ العملِ العضليِّ الثقيلِ، ويمكنُ أنْ تصلَ إلى نحوِ عشَرةِ أضعاف. ورغمَ أنَّ حجمَ الدمِ الكُليِّ ثابتٌ؛ إلا أنَّ الجسمَ يستطيعُ تحميلَهُ بأضعافٍ مُضاعفةٍ منَ الأكسجينِ عندَ الحاجةِ؛ عبرَ زيادةِ تدفُّقِهِ؛ وهوَ الأمرُ الذي يطلقُ عليهِ العلماءُ اسمَ “حجمِ الدمِ الفعال”.

طيلةَ قرونٍ طويلةٍ؛ انصبَّ اهتمامُ العلماءِ على فهمِ الآلياتِ التي تتحكمُ في تدفقِ الدمِ عبرَ الشعيراتِ الدمويةِ؛ وكذلكَ العملياتِ التي تنظمُ نقلَهُ. في هذا الفرعِ؛ اكتشفَ “أوجست كروج” اكتشافًا كبيرًا؛ بعدَ أنْ نجحَ في فكِّ شيفرةِ كيمياءِ التنفسِ وفهمِ آليةِ تلكَ العملية.

وُلد “شاك أوجست ستينبرج كروج” في الخامسَ عشَرَ من نوفمبر عامَ ألفٍ وثمانِمئةٍ وأربعةٍ وسبعينَ في مقاطعةِ “جوتلاند” الدنماركية. كانَ والدُهُ صانعًا للسفن. أما والدتُه “ماري دريكمان” فقدْ كانتْ نصفَ غجرية. تعلَّمَ “كروج” منْ والدِهِ الدقةَ والتفاني؛ أمَّا والدتُه فقدْ تعلمَ منها الجموحَ؛ المُطعَّمَ بالحرية؛ والمزيَّنَ بالخيال.

منذُ الصغر؛ كانَ مهتمًّا بالعلومِ الطبيعيةِ؛ قضى وقتًا كبيرًا في إجراءِ التجاربِ. شجعهُ وحفزَهُ مُعلمُهُ -الذي أصبحَ صديقَهُ- ويليم سورنسن. نصحَهُ المعلمُ بالاهتمامِ بالفسيولوجيا؛ ودفعَهُ إلى الالتحاقِ بكليةِ الطبِّ بجامعةِ كوبنهاجن.

بدأَ “كروج” دراسةَ الطبِّ عامَ ألفٍ وثمانِمئةٍ وثلاثةٍ وتسعينَ؛ لكنَّهُ سُرعانَ ما كرَّسَ نفسَهُ لعلمِ الحيوانِ. وفي عامِ ألفٍ وثمانِمئةٍ وسبعةٍ وتسعينَ؛ بدأَ العملَ في مختبرِ علمِ وظائفِ الأعضاءِ الطبيةِ تحتَ إشرافِ البروفيسور الشهيرِ كريستيان بور.

حينَ كانَ شابًّا؛ أجرى العديدَ منَ التجاربِ على مثانةِ اليرقاتِ الهوائيةِ؛ وتمكَّنَ منْ إثباتِ أنَّ تلكَ الأعضاءَ تعملُ مثلَ خزاناتِ الغوصِ في غواصة؛ إذْ يتمُّ تنظيمُ محتواها منَ الهواءِ لكيْ تتوازنَ تلكَ اليرقاتُ معَ الماءِ. وفي عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ واثنينِ، شاركَ كروغ في رحلةٍ استكشافيةٍ إلى ديسكو، شمالَ غرينلاند، حيثُ درسَ توترَ ثاني أكسيدِ الكربونِ ومحتوى الأكسجينِ في مياهِ الينابيعِ والجداولِ والبحرِ. وقدْ أدى هذا إلى نتائجَ مهمةٍ حولَ دورِ المحيطاتِ في تنظيمِ ثاني أكسيدِ الكربونِ في الغلافِ الجوي، كما حددَ مبادئَ القياسِ للاستشرابِ الغازيِّ –وهو عمليةٌ لفصلِ الغازاتِ عنْ بعضِها- التي طبقها فيما بعدُ على المشكلاتِ الفسيولوجية.

بعدَ ذلكَ؛ بدأَ “كروج” -بالتعاوُنِ مع زوجتِه ماري- في دراسةِ عمليةِ التنفسِ في الضفادعِ. ثمَّ انتقلَ إلى دراستِها في البشر.

نعلمُ أنَّ الرئتينِ تتكونانِ منْ عددٍ كبيرٍ منَ الحويصلاتِ الهوائيةِ الصغيرةِ التي تتشابكُ جدرانُها معَ الشُّعيراتِ الدمويةِ. عبرَ تلكَ الجدرانِ يتمُّ تبادُلُ الأكسجينِ وثانِي أكسيدِ الكربونِ بينَ الدمِ والهواءِ داخلَ الرئةِ. كانَ التفسيرُ الأكثرُ منطقيةً لعمليةِ التبادلِ هو افتراضُ أنَّ جزيئاتِ الغازِ تدخلُ -أوْ كما يذهبُ التعبيرُ- تُذابُ في الجدارِ. وتمرُّ عبرَهُ منْ منطقةٍ ذاتِ ضغطٍ عالٍ إلى منطقةٍ ذاتِ ضغطٍ منخفض.

وَفقًا لهذا الافتراضِ؛ لا دورَ للجدارِ على الإطلاقِ. غيرَ أنَّ “كروج” أثبتَ خطأَ ذلكَ الافتراض.

فعبرَ تشريحِ مئاتِ الضفادعِ؛ وجدَ “كروج” أنهُ في أثناءِ بذلِ المجهودِ؛ يقومُ الجسمُ بفتحِ مجموعةٍ منَ الشعيراتِ الدمويةِ الجديدةِ لتوسيعِ السطحِ الذي يُمكنُ أنْ ينتشرَ الأكسجينُ منهُ. يعني ذلكَ أنهُ كلما زادَ المجهودُ العضليُّ؛ زادَ عددُ الشعيراتِ الدمويةِ التي تنقلُ وتتبادلُ الأكسجينَ معَ ثاني أكسيدِ الكربون. أدى اكتشافُ ذلكَ الأمرِ للتعامُلِ معَ عددٍ مهولٍ منَ المشكلاتِ بصورةٍ أفضل؛ مثلَ مشكلةِ التمثيلِ الغذائيِّ التنفسيِّ؛ وتأثيرِ النظامِ الغذائيِّ على بذلِ المجهودِ؛ ومعرفةِ أسبابِ خللِ وظائفِ الكُلى وارتفاعِ مستوياتِ سكرِ الدمِ وحمضِ اللاكتيك.

يعرفُ القاصي والداني أنَّ عمليةَ التنفسِ ضروريةٌ للحياةِ، وأنَّ توقُّفَهُ يعني الموتَ؛ يقولُ “أوجست”: إنَّ العضلاتِ لا تستهلكُ الأكسجينَ بمعدلٍ ثابتٍ؛ وإنَّ تلكَ العمليةَ تخضعُ للكثيرِ منَ التشابكاتِ والتعقيد. فكَّكَ ذلكَ الدنماركيُّ تلكَ التشابكاتِ. وبفضلِهِ؛ أمستْ تلكَ العمليةُ مُفسَّرةً؛ وأصبحتْ آلياتُها سهلةَ الفهمِ؛ تمامًا كسهولةِ التقاطِ نفَسٍ عميقٍ في صبيحةِ يومٍ مشرقٍ وضَّاح.

المصدر