قد يلجأ البعض إلى الاستغناء عن مكيف الهواء صيفًا أو المدفئة شتاءً لبضع ساعات يوميًّا، في محاولة لخفض استهلاك الطاقة، لكن يصعب فعل الشيء ذاته مع الثلاجة المنزلية؛ إذ نحتاج إلى أن تعمل بشكل مستمر لتحافظ على نضارة الأطعمة وتقيها التَّلف.

وتُعَد الثلاجة من الأجهزة المنزلية الأكثر شيوعًا في العالم؛ إذ تشير التقديرات إلى وجود أكثر من ٣٠٠ مليون ثلاجة في الصين وحدها، وهي مسؤولة عن نسبة ٤٠ إلى ٥٠٪ من الطلب على الكهرباء السكنية تقريبًا، ولذلك يعتقد العلماء أنه لو جرى تحسين أدائها ولو بقدر صغير، فإن ذلك سيوفر كميات هائلة من الطاقة حول العالم.

وفي السابق، أجرى باحثون عدة تجارب مكثفة على أجزاء مختلفة من الثلاجة لتحسين كفاءتها بغرض تقليل استهلاك الطاقة، إلا أنها لا تزال تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء. وفي أحدث محاولة بهذا الشأن، قال فريق بحثي من جامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين، إنه توصل إلى آلية جديدة تقلل استهلاك الثلاجات المنزلية من الكهرباء بنسب تصل إلى 28%، وفقًا لنتائج الدراسة التي نُشرت في دورية (Journal of Renewable and Sustainable Energy).

وتتأثر كفاءة استخدام الطاقة في الثلاجة العادية بخاصية العزل الحراري للحواجز الحرارية للمجمد أو الفريزر freezer. ويرجع ذلك إلى انخفاض درجة الحرارة الداخلية للثلاجة. إذ إن هناك اختلافًا كبيرًا في درجة الحرارة بين المجمد في الثلاجة التقليدية ودرجة حرارة الهواء المحيط والحاجز الحراري العادي للفريزر، ما يسبب خسارةً كبيرةً في مستوى التبريد.

افترض الفريق البحثي أن استخدام جزء من الفاقد في عملية التبريد في تبريد قسم الطعام الطازج يمكن أن يكون حلًّا واعدًا في تحسين كفاءة عمل الثلاجة. فإلى جانب الأجزاء الأربعة الرئيسية في الثلاجة المنزلية وهي الضاغط، والمبخر، والمكثف، وصمام التمدُّد الحراري، أو ما يُعرف أيضًا بدائرة التبريد الميكانيكية، أضاف الفريق البحثي دائرة منفصلة كليًّا عن هذه الدائرة، تتمثل في أنابيب تبادُل حراري توضع داخل عازل جدران الثلاجة، وذلك لتحسين كفاءتها وتقليل استهلاكها للكهرباء.

دورة التبريد الأساسية

وبشكل عام، تتألف دورة التبريد الأساسية للثلاجة المنزلية من عدة مراحل، تبدأ بدخول سائل التبريد إلى الضاغط في صورةٍ غازية، إذ يقوم الضاغط بضغطه قبل دخوله إلى المكثّف الذي تكون درجة حرارته عاليةً نسبيًّا. يدخل السائل إلى المكثف الموجود في الجهة الخلفية للثلاجة، حيث يتبادل الحرارة مع المحيط الدافئ، والذي يمكننا اعتباره هنا المطبخ على سبيل المثال، ليتكثف خلال مروره بأنابيب المكثف.

ثم يدخل السائل إلى صمام التمدد الحراري، وهو عبارة عن أنابيب شعرية دقيقة للغاية، فيفقد فيها الحرارة بشكلٍ كبير نتيجة تحرُّره من الضغط الذي كان مطبقًا عليه عند مروره في الأنابيب الشعرية، وعندها يدخل هذا السائل ذو الحرارة والضغط المنخفضين إلى داخل المبخر، حيث يتحرك من أعلى الثلاجة إلى أسفلها، متحوّلًا خلال مروره إلى الحالة الغازية مرةً ثانية. وفي الإطار ذاته، يتم إضافة المراوح إلى الثلاجة لزيادة كفاءة التبادل الحراريّ وسرعته أيضًا، وبهذا تكون دورة التبريد قد اكتملت، ليرجع سائل التبريد مرَّةً أخرى إلى الضاغط.

إعادة التوزيع الحراري

تعتمد فكرة فريق البحث على استخدام سائل له خصائص مميزة داخل الجزء الخاص الذي أضافه إلى الثلاجة، إذ تتغير درجة حرارته عبر التحوُّل من الحالة السائلة التي يكون فيها عندما يمر على حيز الفريزر عند درجة حرارة 25 درجة تحت الصفر إلى الحالة الغازية عند درجة حرارة 5 مئوية في الجزء الأسفل من الثلاجة المنزلية أو الكابينة، وبالتالي ينقل درجة الحرارة المنخفضة الموجودة في حيز التجميد أو الفريزر إلى حيز التبريد (الكابينة).

وبذلك يتم نقل الحرارة بشكل آلي ودون جهد زائد أو استهلاك إضافي من الكهرباء، اعتمادًا على الخصائص الفيزيائية التي تتمتع بها مادة السائل من حيث الحركة والتحول من الحالة السائلة إلى الحالة الغازية، إذ إن كثافة الغاز أقل بكثير من كثافة السائل، لذلك يتحرك الغاز ذو الكثافة المنخفضة إلى أعلى (إلى حيز التجميد) داخل الأنابيب الموضوعة في جدران الثلاجة، حتى يصل إلى حيز التجميد بعد تعرُّضه لدرجة حرارة المجمد (25 درجة تحت الصفر)، وبالتالي يتحول من الحالة الغازية إلى الحالة السائلة.

بعد ذلك يتحرك السائل ذو الكثافة العالية إلى أسفل مرةً أخرى نتيجة ثقل وزنه، حتى يصل إلى وحدة التبريد أو كابينة الثلاجة، وفي هذه المرحلة يتم تبادل الحرارة بين السائل ذي درجة الحرارة المنخفضة (25 درجة تحت الصفر) مع حيز التبريد الذي يكون في العادة 5 درجات مئوية، فيضيف إلى الكابينة مزيدًا من البرودة دون جهد يُذكر، حتى يفقد هذا السائل حرارته ويتحول مرةً أخرى إلى حالته الغازية، ثم تتكرر هذه الدورة مرةً أخرى دون إضافة أي شغل مبذول أو طاقة زائدة، وبالتالي يقل استهلاك الثلاجة للكهرباء؛ لأنها ستحافظ على درجة حرارتها المنخفضة باستمرار مع زيادة المدد البينية التي يعاد فيها تشغيلها أوتوماتيكيًّا للحفاظ على برودة الكابينة.

من جانبه، قال جينجيو ماو، قائد فريق البحث: إن آلية استخدام جزء من حرارة المجمد لتبريد الكابينة قد توفر في استهلاك الثلاجات المنزلية للكهرباء بنسب تتراوح بين 6.3٪ و28.5٪ وفق درجة حرارة محيط الثلاجة، وما يميزها أنها تعمل حتى في المناخات الحارة مثل الصحراء.

وأشار إلى أن “معظم الأسر تحتاج إلى ثلاجة واحدة أو اثنتين، وهي تعمل دائمًا على مدار 24 ساعة يوميًّا، أي 365 يومًا في السنة، وهذا يهدر الكثير من الطاقة، وحتى لو تمكنَّا من توفير القليل من الطاقة، فهذا يساعد البشر على أن يكونوا أكثر كفاءةً في استخدام الطاقة”.

بساطة التصميم

 من جانبه، وصف ماهر القاضي -الباحث في قسم الكيمياء وعلم المواد في كلٍّ من جامعتي كاليفورنيا والقاهرة- النتائج التي توصل إليها العلماء بأنها واعدة؛ إذ يمكن الاستفادة منها كتقنية مستدامة للطاقة أو تطبيقها في مجال الطاقة المتجددة، على الرغم من أنها لا تزال تعتمد على الحساب النظري ولم تدخل إلى التجارب العملية حتى الآن.

وأضاف في حديث لـ”للعلم”، أن ما يميز الاكتشاف الحالي هو بساطة التصميم، الذي يعتمد بشكل أساسي على إعادة التوزيع الحراري داخل الثلاجة دون الحاجة إلى وحدات التخزين الحراري.

نتيجة نظرية

في المقابل، رأى محمود سعيد -الباحث بقسم هندسة مصادر الطاقة بكلية الهندسة بالجامعة المصرية اليابانية- أن الدراسة رغم نتائجها الكبيرة في توفير الطاقة، إلا أنها تظل نظرية، وقد لا تؤدي إلى النتيجة نفسها عندما يتم التطبيق العملي لهذا النموذج على أرض الواقع.

وأضاف -في حديث لـ”للعلم”- أن الباحثين افترضوا أن درجة حرارة كابينة الثلاجة ستظل ثابتةً عند 5 درجات مئوية، وهذا قد يختلف على أرض الواقع، حيث تتغير درجة الحرارة داخل الثلاجة وتتأثر بالعوامل المحيطة بها، وبالتالي فإن عملية تحوُّل السائل من الحالة الغازية إلى السائلة قد تتغير أيضًا، كما أن الفريق افترض أن انتقال الحرارة سيتم في اتجاه واحد، وهذا قد لا يتم بصورة مستمرة على أرض الواقع.

وأشار “سعيد” إلى أن الفريق البحثي لم يحدد حتى الآن نوعية السائل الذي سيستخدمه في هذه العملية؛ إذ سيتطلب تحضيره كيميائيًّا وتزويده بخصائص تمكِّنه من التحوُّل من صورة غازية عند درجة حرارة 5 مئوية (درجة حرارة مقصورة حفظ الأطعمة) إلى صورة سائلة عند درجة حرارة 25 درجة تحت الصفر (درجة حرارة المجمّد)، كما يمكن أن تكون تكلفته عالية ولا تحقق جدواها من توفير الطاقة.

فيما أوضح “ماو” أن فريق البحث يخطط لإجراء مزيد من البحوث على الآلية الجديدة -بما في ذلك المحاكاة والتجارب الديناميكية للثلاجة- في ظروف مناخية مختلفة؛ للتحقق من الجدوى الاقتصادية لهذه الطريقة.

وأضاف في حديث لـ”للعلم”، أن نتائج الدراسة النظرية أظهرت بشكل مبدئي أن هذه الآلية يمكن أن تكون حلًّا واعدًا في تحسين كفاءة الثلاجة وتوفير الطاقة، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن هذا النموذج لا يزال أوليًّا وبحاجة إلى دراسة تفصيلية ومحاكاة عملية وتجريبية قبل التطبيق العملي، وأوضح أن هدفه استكشاف تصميمات جديدة لأنظمة الثلاجات المنزلية.

المصدر