الأحد , ديسمبر 8 2019
الرئيسية / حلول مبتكرة / بارات فاتواني.. سفير الرحمة بالمرضى العقليين في الشوارع
بارات فاتواني.. سفير الرحمة بالمرضى العقليين في الشوارع
بارات فاتواني.. سفير الرحمة بالمرضى العقليين في الشوارع

بارات فاتواني.. سفير الرحمة بالمرضى العقليين في الشوارع


القليلون من الناس هم أولئك الذين ينتدبون أنفسهم للقيام بالمهام الشاقة التي لا يقوم بها غيرهم، ولا يفعلون ذلك مرة ويمرون، ولكنهم يجعلون من تلك المهام قضية حياتهم التي يعيشون من أجلها. من هؤلاء القلة الطبيب النفسي الهندي بارات فاتواني Bharat Vatwani الحائز على جائزة رامون ماجسايساي والتي توصف بأنها جائزة نوبل الآسيوية لعام 2018، وذلك عن عمله على مدى ما يقرب من ثلاثين عاما من أجل علاج وإيواء المرضى العقليين في شوارع الهند من خلال مؤسسة شرادا لإعادة التأهيل Shraddha Rehabilitaion Foundation والتي أسسها مع زوجته سميثا Smitha.
يصف موقع المؤسسة مأساة هؤلاء المرضى قائلا: “هؤلاء التعساء من الرجال أو النساء، الذين غالبا ما نراهم هائمين على وجوههم في الطرقات، سارحين في عالمهم الخاص، يضحكون، ويتحدثون مع أنفسهم، بشعر طويل أشعث أغبر، بأجساد شبه عارية، جلد على عظام، يعيشون بالكاد على القمامة، ومياه القنوات وإن اتسخت، وما يلقيه إليهم المارة، هم في وضع أسوأ بكثير من أفقر الفقراء، لأنهم ليس لديهم أحد، نكرر، لا أحد على الإطلاق يرعاهم. هم يعيشون على الطرقات لأسابيع وشهور وسنوات بدون طعام أو ملبس أو مأوى. لا أحد يمكن أن ينظر إليهم نظرة ثانية، وغالباً ما لا يهتم أحد ما إذا عاشوا أو ماتوا. لقد جردوا من كل كرامة إنسانية، لكننا نعتقد أنهم بشر على الرغم من ذلك.”
كان “بارات” قد صادف شابا من هؤلاء، شعره طويل، يشرب مياه قذرة من مزراب على جانب الطريق، كان هذا المنظر هو الذي حفزه على تبني قضية هؤلاء على مدار ثلاثين عاما، حيث قرر حينها أن يعتني بالشاب وغيره من الناس من أمثاله. يقول عن ذلك: “بعد علاج الصبي، صدمت عندما علمت بهويته، لقد كان شابا حاصلاً على شهادة البكالوريوس في علوم الكمبيوتر مع دبلوم في تكنولوجيا المختبرات الطبية، وكان والده يعمل مراقبا في ولاية أندرا براديش”، حينها، ساعد “بارات” الشاب الصغير الذي كان يعاني من الفصام في جمع شمله مع عائلته، ومنذ ذلك الحين وصل بعمله وخدماته إلى عدد لا يحصى من هؤلاء المرضى.
منذ ذلك الحين، وتحديدا في عام 1988 أسس “بارات” مؤسسة شرادا كتجربة إنسانية فريدة، ربما تكون الوحيدة من نوعها في الهند، التي تقدم العلاج والمأوى المجاني وإعادة التأهيل لمجموعة مهملة من المعدمين على الطرقات من المرضى العقليين، ثم تجمعهم مع أسرهم المفقودة، في إطار نهج يجمع بين الأدوية، والتدخل النفسي الاجتماعي المبتكر والمشاركة المهنية.

 


ولفهم سياق العمل الذي تأتي فيه مبادرة مؤسسة شرادا من المهم أن نعي بضع الحقائق التي أوردها موقع المؤسسة، وفق تقرير مقدم لحكومة الهند، يصيب المرض العقلي 13.7 ٪ من السكان، مع 1.9 ٪ من السكان يعانون من اضطرابات عقلية حادة، والتي يمكن أن تؤدي إلى خروج المريض من بيته. فضلا عن ذلك فإن 80٪ من مقاطعات الهند تعمل بدون طبيب نفسي واحد. في حين أن الهند لديها نسبة 3 أطباء نفسيين لكل مليون نسمة ، تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية لعام 2011 إلى أن 81٪ من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية شديدة لا يتلقون أي علاج في الهند. أما نسبة الإصابة بمرض عقلي بين المشردين في الهند فهي تزيد عن 50٪. ويعاني المرضى المصابون بأمراض عقلية في المؤسسات من ظروف غير إنسانية، كما تعاني الأسر التي بها مريض عقلي من وصمة العار والذل في المجتمع، حيث يتم فصل مرضى الفصام من المناطق الريفية والحضرية بدون علاج عن غير قصد عن عائلاتهم وينتهي بهم الأمر إلى أن يكونوا في الطرقات، معدمين، غير مستورين، بلا طعام، وبلا رعاية.
بدأ بارات وسميثا مؤسستهم عام 1988 بغرفتين تعالجان عددا قليلا من هؤلاء المساكين، ثم تم تأسيس مصحة نفسية منفصلة في مومباي عام 1997 من عائدات معرض فني لعدد من الفنانين فضلا عن مساهمات بعض المانحين، وكانت المصحة تتسع لعشرين مريضا، إلا أن السكان رفعوا قضية على المؤسسة لأنهم رأوا في جلب المرضى العقليين من الشوارع خطرا عليهم وعلى أسرهم، إلا أن المحكمة العليا في مومباي حكمت لصالح المؤسسة، وأخيرا وفي عام 2006 قامت المؤسسة ببناء مصحة على مساحة 6.5 فدان، في منطقة خضراء في ضواحي مومباي، تسع لاستضافة 120 مريض، وقد قدمت تلك المصحة الجديدة خدماتها لأكثر من 7 آلاف مريض من مختلف الولايات الهندية، وقامت بلم شمل أكثرمن خمسة آلاف مريض عقلي بأسرته بعد علاجه.
وكما يشير موقع المؤسسة، فعادة ما يعاني هؤلاء المرضى من مرض الفصام، الذي يتسم بخلل عميق في التفكير والإدراك، مما يؤثر على فقد المريض للذات، واللغة والفكر، والأداء الوظيفي الذي يتسبب في ضياع القدرات المكتسبة، مما يؤدي إلى فقدان سبل العيش والعلاقات.
وعلى عكس المؤسسات النفسية الأخرى التي تقوم بعلاج مرضى الفصام عبر الأدوية، والرعاية المتحفظة الخانقة داخل المؤسسات منعا للمرضى من أن يهيموا على وجوههم، فإن المرضى في شرادا يعيشون على مساحة واسعة ويسمح لهم بالانخراط في مجموعة من الأنشطة الإنتاجية بما في ذلك الزراعة، وزراعة الخضروات، وغيرها، ومن خلال الاستعانة بالمستشارين النفسيين ومقدمي الرعاية المحترفين، يتمثل النهج في إعادة تأهيل المريض من خلال الحفاظ على المهارات الإنتاجية وتحسينها، أثناء محاولة لم شمل المريض مع عائلته المفقودة.
على مدار عمر المؤسسة حظيت بدعم جهات خاصة مانحة، والفعاليات التي ترعاها، ومن قطاع الشركات، واعتمدت المؤسسة على بناء شبكة علاقات مع المجتمع والقرى المحيطة لبناء الثقة والوعي الداعم لعمل المؤسسة، ربما تعلما لدرس عداء السكان في مقر المصحة القديم لعمل المؤسسة، وهكذا من المهم دائما أن تتعلم المؤسسات من دروس حياتها، تماما كما يفعل عقلاء الناس في حياتهم. 

د. مجدي سعيد


شاهد أيضاً

10أفلام وثائقية من المتعة والتعلم تتناول نجاحات مذهلة في ريادة الأعمال

10أفلام وثائقية من المتعة والتعلم تتناول نجاحات مذهلة في ريادة الأعمال

المادة الإعلامية القيمة هي التي تستطيع أن تجمع بين المتعة والتعلم، وسواء كان هدفك كمشاهد …