السبت , أغسطس 24 2019
الرئيسية / حلول مبتكرة / غاليليو غاليليه.. تحدى خرافات عصره فدفع الثمن غاليا
غاليليو غاليليه.. تحدى خرافات عصره فدفع الثمن غاليا
غاليليو غاليليه.. تحدى خرافات عصره فدفع الثمن غاليا

غاليليو غاليليه.. تحدى خرافات عصره فدفع الثمن غاليا


 

  • غاليليو أمام المحكمة: إنني غير مدعو لأن أومن بأن الله الذي منحنا العقل لا يسمح لنا أن نستعمله
  • محكمة التفتيش أمرته أن يتلو “مزامير الندامة” مرة كل أسبوع في الأعوام الثلاث المقبلة!
  • قال لأحد أصدقائه: أشعر برغبة في التخلص من دراساتي العلمية فأرمي بها في النار لتحترق.. فأشبع رغبات أعدائي
  • أُرغم على التبرؤ من آرائه علنا.. حُكم عليه بالإقامة الجبرية في منزله حتى مات كفيفا
  • رد له بابا “الفاتيكان” اعتباره بعد مئات السنين من وفاته محتجزا في منزله بحكم كنسي جائر

 

 

غاليليو غاليليه، أكبر علماء القرن السادس عشر الميلادي، والذي يعد عن جدارة “أبو العلم الحديث”، هو الرجل الذي تحدى خرافات عصره، فدفع الثمن غاليا، وتبرأ مُكرها من الحقيقة!

وغاليليو هو أول من طبق الطرق التجريبية في البحوث العلمي، وأدخل مفهوم القصور الذاتي، وبحث في الحركة النسبية للأشياء، وقوانين الجاذبية وسقوط الأجسام، وكان الإنسان الأول في تاريخ البشرية الذي وجه التلسكوب إلى السماء، وكشف عن مجموعة من النجوم الجديدة، كما أثبت أن المجرة الكونية تتكون من عديد كبير من النجوم، فسبق بذلك كل علماء التاريخ البشري.

ولد غاليليو في مدينة “بيزا” الإيطالية في 15 فبراير 1564 لأب يدعى فينسينزو غاليليه، وأم هي جوليا دي كوزيمو أماناتي، والتحق بمدارس المدينة، وأظهر منذ البداية تفوقا واضحا على أقرانه من الطلاب، وعلمه والده الذي كان يهوى الموسيقى، العزف على آلة الأرغن، وظهرت براعته مبكرا في الرسم والشعر، وأجاد اللغتين اللاتينية واليونانية

درس غاليلو بعد ذلك الطب في جامعة بيزا، بناء على رغبة والده، ولم ينل درجته العلمية، فقد درس لمدة 4 سنوات، ثم خرج من الجامعة دون الحصول على إجازة “شهادة” دراسية، لكنه ظل يدرس على نفقته لمدة عامين، واهتم بعد ذلك بدراسة الهندسة إلى جانب الطب، وبرع فيها حتى تم تكليفه بإلقاء المحاضرات على طلاب الجامعة.

بدأ الشاب النابه أثناء دراسته في دحض بعض النظريات العلمية الخاطئة، فقد كان العلماء يظنون في ذلك الوقت أنه لو أُلقي بجسمين مختلفي الوزن من ارتفاع ما، فإن الجسم الأثقل وزناً سيصل إلى الأرض قبل الأخّف، لكن غاليليو أثبت بالنظرية الرياضية خطأ هذا الاعتقاد، ثم اعتلى برج “بيزا” الشهير، والذي مازال قائما حتى الآن، وألقى بجسمين مختلفي الوزن فاصطدما بالأرض معاً في نفس اللحظة.

انتقل غاليليو بعد ذلك إلى مدينة “بادوا”، وراح يلقي في جامعتها محاضرات في علم الرياضيات، وكان في هذا الوقت قد نال نصيبه من الشهرة. وفي هذه المدينة اخترع أول “ترمومتر” هندسي في التاريخ، استنادا إلى طرق تجريبية في البحوث العلمية.

“الخروج عن الملة”

شرع غاليليو عام 1609 في صنع منظاره الفلكي الأول، بوضع عدستين في طرفي أنبوبة من الرصاص، وكان المنظار أفضل بكثير مما صنعه سابقوه، بعد ذلك انكب على منظاره يحسّن من صناعته، وراح يبيع ما ينتجه من مناظير، وصنع المئات وأرسلها إلى مختلف بلدان أوروبا، حيث كان الناس آنذاك شغوفين بعلم الفلك شغفا كبيرا.

وفي تلك الأيام، كان كل الناس يعتقدون أن الأرض هي مركز الكون، وأن الشمس وغيرها من الكواكب تدور حولها، وهو الاعتقاد الذي كانت تتبناه الكنيسة الكاثوليكي في روما، ولكن عندما نظر غاليليو من خلال عدسات منظاره تبين له عدم صحة ذلك، فقد رأى أن العكس هو الصحيح، فكتب كتابا صغيرا تحدث فيه عن ملاحظاته ونظرياته، وقال إن الأرض مجرد كوكب صغير يدور حول الشمس مع غيره من الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية، وكان هذا الكلام بمثابة ثورة حقيقية على المعتقدات الكنسية الخاطئة.

وفور نشر الكتيب، تقدم بعض أهالي مدينة “بادوا” المتدينين إلى سلطات الكنيسة الكاثوليكية بشكاوى تفيد أن بعض نظريات غاليليو تتعارض مع أفكار وتعاليم “الكتاب المقدس”، واضطر العالم للذهاب إلى روما للدفاع عن نفسه، حتى لا يصدر حكم بإعدامه بتهمة “الهرطقة” أو الخروج عن الملة، وهي تهمة كانت شائعة في ذلك العصر.

وفي معرض دفاعه عن آرائه أمام المحكمة الكنسية، قال الرجل “‘إنني أميل إلي الاعتقاد بأن القصد من سلطة الكتاب المقدس هو إقناع الملأ بالحق الضروري لخلاصهم، هذا الحق الذي يسمو كثيرا فوق إدراك البشر، فلا يمكن أن يزيد أي تعليم في إمكان التصديق به، ولا يتم ذلك إلا بوحي من الروح القدس ولكن يبدو لي أنني غير مدعو لأن أومن بأن الله نفسه الذي منحنا الحواس والعقل والإدراك لا يسمح لنا أن نستعملها، وأنه يرغب في أن يعرفنا بأية طريقة أخري مثل تلك المعرفة التي بمقدورنا أن نصل إلي معرفتها بأنفسنا عن طريق ما منحنا إياه من قوى، وخاصة في تلك العلوم التي لا تشمل الكتب المقدسة إلا النذر اليسير والأقوال المتباينة عنها”.

ونجح الرجل في الإفلات هذه المرة من قبضة الكنيسة، ليواصل حياته العلمية في هدوء لبضع سنين، دون أن يجرؤ على الإفصاح عن آرائه المثيرة للجدل، بعد أن أرغمته الكنيسة في محاكمة علنية على أن يقرر علانية أن الأرض لا تدور حول الشمس على الإطلاق وأنها “ثابتة” كما يقول بذلك علماء عصره.

أمام “محكمة التفتيش”

كتب غاليليو بعد ذلك في كتاب آخر أصدره بعد 16 عاما نفس الأفكار، مؤكدا أنها لا تتعارض مطلقا مع “الكتاب المقدس”، وفي كتابه الأساسي هذا المسمى “ساجياتوري” أو “المحاورة” الصادر سنة 1623، قال العالم الشهير إن “هناك فلسفة عميقة في هذا الكتاب الكبير، كتاب الكون، وهو مفتوح لنا باستمرار. ولكن لا يمكننا فهم الكتاب إذا لم نعرف اللغة التي كتب بها ولم نحاول تعلم الحروف المستخدمة في كتابته. إنه مكتوب بلغة الرياضيات ولغتها هي الدوائر، والمثلثات وأشكال أخرى هندسية، وبدونها فلا يستطيع الإنسان فهم حتى كلمة واحدة من الطبيعة والكون، وبدونها يضل الإنسان في دهليز كبير مظلم”.

وعندما صدر كتاب “المحاورة”، أثار حوله خصومه القدامى، فاستُدعي من قبل محكمة التفتيش للدفاع عن نفسه ضد اتهامه بالهرطقة، وكان الرجل قد اقترب من السبعين من عمره، إنسان مهدم الجسم، محطم الروح، مرهق النفس، وكان يخشي هذه المحاكمة.

وقال غاليليو في خطاب أرسله إلى أحد أصدقائه “تزعجني هذه القضية لدرجة أنني أكره الساعات التي صرفتها في هذه الدراسات التي جاهدت فيها، ورجوت منها أن أتجنب سلوك الطريق التي اعتاد أن يسلكها العلماء، ولست بالنادم فحسب علي أنني أعطيت للعالم بعض ما كتبت، ولكنني أشعر بالميل إلي التخلص مما لا يزال بين يدي منها فأرمي بها في النار لتحترق، فأشبع رغبات أعدائي الذين تضايقهم أفكاري لهذه الدرجة”.

وذهب الرجل إلى “الفاتيكان” في روما محمولا على نقّالة، وأودع السجن، حتى يمثل أمام محكمة التفتيش الرهيبة، ذات السمعة السيئة، وطلب الرجل من المحكمة أن المعاملة بالرأفة لمرضه وشيخوخته، فقال القساوسة: إن ما تدعيه أمر فاسد فلسفيا، وهرطوقي شكليا، لأنه مخالف صراحة، للكتاب المقدس.. إلى آخر ما جاء في هذه المحكمة، ولقد حكمت عليك هذه الهيئة المقدسة بالإقامة الجبرية في منزلك لمدة وفق اختيارنا، كما أننا نأمرك علي سبيل التكفير المحمود أن تتلو “مزامير الندامة” مرة كل أسبوع في الأعوام الثلاث المقبلة!

وأُرغم الرجل على التبرؤ من آرائه قائلا على الملأ: “أنا المدعو غاليليو غاليليه، ابن المدعو فنشنزو غاليليه، في السبعين من عمري، أقسم أنني قد آمنت دوما، وأنني بعون الله سأؤمن في المستقبل كذلك، بكل ما تعتقده الكنيسة الكاثوليكية الرسولية في روما، وبكل ما تعلمه وتبشر به.. وبكل قلب مخلص وإيمان لا يتزعزع أتبرأ من الأفكار والهرطقات المذكورة وألعنها وأمقتها، كما أعلن أنني آخذ الموقف نفسه تجاه أي أخطاء قد تقع أو طائفة أخري تخالف تعاليمها تعاليم الكنيسة المقدسة المذكورة، وأقسم بأنني لن أصور في المستقبل شفويا أو كتابة عما قد يثير شبهة مماثلة في كما أنني أشهد أمام هذه الهيئة المقدسة علي كل هرطوقي أو مشبوه إذا ما عرفت بمثل ذلك”.

وعاش العالم الذي تحدى خرافات عصره بعد ذلك في بيته سجينا، ومنعه حكم محكمة التفتيش من استقبال أي من أصدقائه، ولم يُسمح باجتماع أكثر من شخص معه في آن واحد، وفقد الرجل بصره، وقال معبرا عن حالته تلك: إن هذا الكون، وهذه الأرض، وهذه السماء التي تكبر أبعادها مئات آلاف المرات أكثر مما اعتقده حكماء العصور السابقة، بفضل اكتشافاتي العجيبة وبراهيني الواضحة، قد بات مقصورا، بالنسبة لي، على الفضاء الصغير التي تملؤه حواسي المتعبة”.

وظل محتجزا في منزله كرها حتى كُف بصره وأصابه العمى، ثم وافته المنية في 8 يناير عام 1642، ودُفن جثمانه في فلورنسا، ومنعت الكنيسة أسرته من كتابة شاهد قبر له.

رد اعتبار متأخر

وأدت محاكمة غاليليو أمام محكمة التفتيش في الفاتيكان إلى مناقشات طويلة عبر التاريخ. ففي عام 1714، صدر تصريح من البابا بنديكت الرابع عشر بطباعة كل كتبه. وفي العصر الحديث، في عام 1939، وصف البابا بيوس الثاني عشر، بعد أشهر قليلة من رسامته لمنصب البابوية، غاليليو بأنه “أكثر أبطال العلم شجاعة، فهو لم يخشَ من العقبات والمخاطر ولا حتى الموت في سبيل العلم”.

وقدمت الهيئة العلمية لـ”الفاتيكان” في 31 أكتوبر عام 1992، تقريرها إلى البابا يوحنا بولس الثاني، والذي على أساسه قام البابا بإلقاء خطاب قدم فيه اعتذارا عما جرى لـ”غاليليو” أثناء محاكمته، وحاول يوحنا بولس الثاني إزالة سوء الفهم المتبادل بين العلم والكنيسة الكاثوليكية. وأعاد الفاتيكان في 2 نوفمبر عام 1992م الاعتبار لجاليليو ببراءته رسمياً من تهمة الهرطقة.

ويقول المؤرخون إن أصالة غاليليو تكمن في تناوله المسائل العلمية، فهو أولا، كان يبسط تلك المسائل ويصوغها في مصطلحات بسيطة على أساس التجارب اليومية والمنطق المتعقل، ومن ثم يقدم على تحليلها وحلّها وفقا لمواصفات رياضية. وقد أدى نجاحه في تطبيق هذه التقنية على التحليل الفيزيائي، وخاصة فيزياء الحركة، إلى فتح الطريق لتطوير الفيزياء الرياضية المعاصرة.

وهكذا استطاع غاليليو أن يحرك ركود الحياة العلمية، وحاول أن يحرر العلم التجريبي الخالص من سطوة الكنيسة، ولكن الأمر كان أكبر منه، فقد كانت آراء الكنيسة وقتها بمثابة مسلمات لا مزيد عليها، وبالتالي اعتُبر الرجل من “الهراطقة”.

وقال العالم المعاصر ستيفن هوكنغ إن “مولد العلم الحديث ربما يرجع إلى غاليليو وليس أي شخص آخر”، وقد سمّاه ألبرت آينشتاين “أبا العلم الحديث”، نظرا لإنجازاته العلمية من جهة ومن جهة أخرى أنه تمسك باقتناعه العلمي ولم يحيد عن هذا الاقتناع ووقف صامدا أمام الاتهامات الموجهة له بالهرطقة.


شاهد أيضاً

"شارع 306" هنا يبتكر الشباب.. مشاوير وقصص نجاح

“شارع 306” هنا يبتكر الشباب.. مشاوير وقصص نجاح

يعد مشروع “شارع 306” من المشروعات الشبابية المصرية الخالصة أسسته شركة تحيا مصر القابضة للاستثمار …