الأحد , نوفمبر 17 2019
الرئيسية / حلول مبتكرة / ستيفن هوكينغ.. “العبقري القعيد” يستكشف الكون من كرسي متحرك!
ستيفن هوكينغ.. "العبقري القعيد" يستكشف الكون من كرسي متحرك!
ستيفن هوكينغ.. "العبقري القعيد" يستكشف الكون من كرسي متحرك!

ستيفن هوكينغ.. “العبقري القعيد” يستكشف الكون من كرسي متحرك!


 

  • أُصيب بمرض نادر وهو في الحادية والعشرين من عمره.. وقال الأطباء إنه لن يعيش أكثر من عامين
  • تحدى تكهنات الأطباء المتشائمة ولم يستجب لمقترحهم بإنهاء حياته انتحارا عام 1985
  • كتابه “موجز تاريخ الزمن” منحه شهرة عالمية واسعة.. وتُرجم إلى 40 لغة ووزع 10 ملايين نسخة
  • هوكينغ: الأرض ليست المكان الوحيد الذي تطورت فيه الحياة.. ووجود “كائنات فضائية” ليس خيالا علميا
  • أشهر علماء العصر يقاطع إسرائيل ويمتنع عن المشاركة في أي مؤتمر يقام في دولة الاحتلال

 

“انظروا إلى النجوم.. وليس لأقدامكم”!

هكذا يقول العالم البريطاني الأشهر ستيفن هوكينغ، أحد ألمع فيزيائيي القرن العشرين، وأبرز علماء الكونيات الذين تصدّوا لأصعب الأسئلة على مرّ التاريخ، ومنها مسألة “خلق الكون”، حتى لُقِّب بـ “العقلية الفيزيائية الثانية بعد نيوتن”.

واعتُبر هوكينغ أعظم فيزيائي في عصرنا على الإطلاق، على الرغم من أنه يصارع الشلل التام منذ 56 عاما، و”العبقري القعيد” يستكشف الكون من كرسي متحرك!

ولد هوكينغ في 8 يناير 1942 بمدينة “أكسفورد” الإنجليزية، التي تشتهر بجامعة ذائعة الصيت تحمل نفس الاسم، لأبوين تزوجا بعد فترة وجيزة من بدء الحرب العالمية الثانية وعاشا في احدى ضواحي العاصمة البريطانية “لندن”، حيث كان الأب يعمل طبيبا في مركز أبحاث صغير. وقبيل ولادته كانت لندن تتعرض للقصف الجوي من قبل الألمان، فاضطرت والدته إلى مغادرة العاصمة متوجهة إلى “أكسفورد” للولادة هناك بعيدا عن دوي القنابل والانفجارات وأجواء الحرب المأساوية.

الحياة على كرسي متحرك

خلال دراسته الثانوية، لم يكن هوكينغ متفوقاً على الإطلاق، بل كان في مستوى الطالب العادي المتوسط، وكان والده يعده منذ صغره لدراسة الطب في جامعة “أكسفورد”، لكن الشاب “ستيفن” لم يكن مقتنعا بذلك، وفضل أن يدرس الفيزياء، وهي المادة الوحيدة التي كان يحصل فيها على درجات مرتفعة، لذلك أطلق عليه زملاؤه في المدرسة اسم “أينشتاين” لذكائه وتميزه في حل المعادلات وموهبته الاستثنائية في الفيزياء والرياضيات، والتي ظهرت في سن مبكرة، حتى كان قادرًا على حلِّ مسائل رياضية في بضع ساعات لم يكن زملاؤه الطلاب قادرين على حلِّها في أسابيع.

وفي سنة 1962، حصل هوكينج على درجة البكالوريوس في الفيزياء من جامعة أكسفورد، وفي سنة 1966م حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية في جامعة كمبريدج، وفي 1974، أصبح عضوًا في الجمعية الملكية، إحدى أقدم المنظمات العلمية على وجه الأرض، ثم تسلَّم في العام 1979م كرسيَّ الرياضيات في جامعة كمبردج، وهو منصب كان يحتله العالم العظيم إسحاق نيوتن.

وأثناء دراسته في “أكسفورد”، وفي الحادية والعشرين من عمره، عانى هوكينغ من صعوبات بسيطة في الحركة والكلام أول الأمر، وسقط ذات مرة من سلالم الجامعة، ثم تفاقمت مشاكله الصحية، وأصبح كلامه مدغما قليلًا؛ ولاحظت أسرته هذه التغييرات، فباشرت بإجراء الفحوصات الطبيّة اللازمة له،  وكانت النتيجة صادمة، إذ تبين أنه مصاب بمرض عصبي نادر، وهو “التصلب الجانبي”، وهو داء مميت لا علاج له.

وأعلن الأطباء وقتها أن هوكينغ لن يعيش أكثر من عامين، ورغم ذلك عاش الرجل حتى الآن، إلا أن هذا المرض جعله مقعداً تماماً وغير قادر على الحركة، غير أنه استطاع أن يتفوق على أقرانه من العلماء، ويجري أعقد الحسابات الفيزيائية في ذهنه.

ومع تطور مرضه، وفي أواخر عام 1960، أصبح غير قادر على نطق أي كلمة أو تحريك ذراعه أو قدمه، أي أصبح غير قادر على الحركة تماماً، لكنه ظل منذ ذلك الحين مستقلا، ورفض بشدة قبول أي مساعدة أو تقبل التنازلات بسبب إعاقته، قائلا إنه “يفضل أن يُعتبر أولاً عالِما، وثانيًا كاتب علوم شعبية، وأنا مشترك مع البشر في كل الأمور التي تهم أي إنسان عادي، بنفس الرغبات، والمحفّزات، والأحلام، والطموحات، كأي شخص آخر عادي”.

ولم تنته معاناة الرجل مع المرض عند كونه قعيـداً فحسب، بل أصيب فى العام 1985 بالتهاب رئوي حاد، واضطـر إلى اجراء عملية جراحية لشق حنجــرته أفقدته بعدها القدرة على الكلام نهائيا، فقامت شركة “إنتل” العالمية للبرمجيات بتطوير نظام حاسوبي متصل بكرسي متحرك من نوعية خاصة، لكي يستطيع من خلاله التحكم التخاطب باستخدام صوت إلكتروني، وإصدار الأوامر عن طريق حركة عينيه ورأسه، حيث يقوم بإخراج بيانات مخزنة مسبقاً في الجهاز تمثل كلمات وأوامر.

وتعد حالة هوكينغ معجزة طبية بكل المقاييس، ولطالما مثلت الحالة تحديا أمام الأطباء الذين توقعوا منذ عام 1963 ألا يبقى على قيد الحياة سوى بضعة أشهر، ولكنه عاش نصف قرن من الزمن على الرغم من تطور المرض الذي يهاجم الأعصاب في جسده، ما يعد “حالة استثنائية” بمعنى الكلمة.

وقال الرجل عن حالته: “لقد كنت محظوظا لأن حالتي كانت تزداد سوءا بوتيرة بطيئة مقارنة بما يحدث عادة، وهو ما يؤكد ضرورة ألا يفقد الإنسان الأمل في الحياة أبدا”.

وأضاف: “ومع هالة الغموض التي اكتنفت مستقبلي، وجدت نفسي أستمتع بحياتي أكثر من ذي قبل. وكان ذلك شيئا مفاجئا لي، فقد بدأت أحقق تقدما في أبحاثي، وارتبطت بفتاة تُدعى (جين) بعدما قابلتها في فترة تشخيص حالتي الصحية، وكان ذلك نقطة تحول في حياتي، إذ منحتني سببا أحيا من أجله (…) وأنا متأكد أن إعاقتي كانت سببا في الشهرة التي أتمتع بها، إذ يعجب الناس بالتناقض بين قدراتي البدنية المحدودة للغاية والنطاق الواسع من الكون الذي أتعامل معه”.

وحتى عام 1974 تمكن هوكينغ وزوجته “جين” من التعامل مع مرضه دون الحاجة لمساعدة خارجية، وأنجب منها 3 أطفال.

وشهدت حياة هوكينغ منعطفات عدة، وانفصل عن زوجته عام 1990 بعد 26 على زواجهما، وبعد خمسة أعوام تزوج مرة أخرى من إحدى ممرضاته، ولكن هذا الزواج انتهى بالطلاق أيضا، وكان الشيء الذي لم ينقطع في حياة هوكينغ هو عمله الدؤوب.

ورغم تقدمه في السن، وبقائه لمدة 56 عاما على الكرسي المتحرك يصارع الشلل التام، لم يتوقف العالم الفذ عن العمل، وهو يعمل حاليا في جامعة كامبريدج، وأصدر أخيرا كتابا جديدا تحت عنوان “التصميم الكبير”.

“الكائنات الفضائية” حقيقة

عمل هوكينغ مع معاونه جيم هارتل على تطوير نظرية فيزيائية تحت اسم “الكون اللامحدود”، وهي النظرية التي غيرت التصور القديم للحظة الانفجار الكبير عن نشأة الكون، إضافة إلى عدم تعارضها مع أن الكون نظام منتظم ومغلق، ومفاد هذه النظرية أن في الكون 100 مليار مجرة، وكل منها يحتوي على مئات الملايين من النجوم، وأن من غير المرجح أن الأرض هي المكان الوحيد الذي تطورت فيه الحياة،  وبالتالي فإن وجود “كائنات فضائية” ليس من قبيل الخيال العلمي.

وتحذر نظرية هوكينغ العلماء من أن الاتصال مع المخلوقات الفضائية قد يسبب “كارثة” للجنس البشري، وقال الفيزيائي الشهير إنه “إذا قامت الكائنات الفضائية بزيارتنا فأعتقد أن النتيجة ستكون مقاربة من اكتشاف كريستوفر كولومبوس للأراضي الأمريكية، حيث أسفر ذلك عن إبادة حضارة الهنود الحمر”!

وفي كتابه “موجز تاريخ الزمن” الصادر عام 1988 والذي تُرجم إلى أكثر من 40 لغة، منها العربية، وتحول إلى فيلم سينمائي عام 1991 من اخراج ستيفن سبيلبرغ، قال هوكينغ إن “الثقوب السوداء” في الكون أو النجوم المنهارة بالجاذبية هي حالة تفردية “تعبر عن حدث له نقطة بداية في الزمن، وأنها تصدر إشعاعا على عكس كل النظريات المطروحة آنذاك، وسمي هذا الإشعاع باسمه “إشعاع هوكينغ”.

ويعرض هوكينغ في هذا الكتاب، بلغة علمية بسيطة، مسيرة تطور فهم الإنسان للكون، وأحدث ما اكتشفته علوم الكونيات، كما يعرض للنظريتين الرئيسيتين في القرن العشرين، أي النسبية العامة وميكانيكا الكم، والمحاولات الرامية لتوحيد الفيزياء عبر دمجها في نظرية واحدة لا وجود لها حتى الآن، يطلق عليها العلماء “نظرية كل شئ”.

ومنذ عدة أعوام مضت، يُنظر إلى هذا “العبقري القعيد” الذي لا يتكلم ولا يتحرك بنفس العين التي تنظر إلى نيوتن وأينشتاين، بل يرى البعض أنه تفوق عليهما، بعد خالف توقعات الأطباء وأصر على الحياة، وبقي على قيدها وإن كان لا يتحرك ولا يتكلم، لكنه يفكر ويتفوق على العقل الطبيعي للبشر، وتحدى تكهنات الأطباء المتشائمة ولم يستجب لمقترحهم بإنهاء حياته انتحارا عام 1985.

والغريب أن مقترح الأطباء جاء أثناء قيام هوكينغ بتأليف الكتاب المشار إليه “موجز تاريخ الزمن” والذي أضفى عليه شهرة واسعة ووزع 10 ملايين نسخة.

وفور نشر الكتاب، وحتى هذه اللحظة، دأب القراء مراراً على مخاطبة المؤلف وإخباره بالصعوبة التي يلقونها في فهم الموضوعات الأكثر أهمية في الكتاب، رغم أنه يحاول جاهدا تبسيط علوم الفيزياء الكونية للعامة من غير المتخصصين.

ولا يستطيع هوكينغ حاليا أن يقوم بأي حركة ولا حتى تعديل وضع نظارته الطبية، غير أنه يُشار إليه في بعض الأحيان باعتباره “سيد علوم الكون”، ولقد قال ذات مرة “إن هدفي يتمثل في الفهم الكامل للكون وأسباب وجوده على صورته وأسباب وجوده في المقام الأول”.

“الكون في قشرة جوز”

منذ نحو ربع قرن، توقع الفيزيائي الأشهر في عالمنا أنه بحلول الألفية الجديدة سيتم اكتشاف معادلة رياضية تشرح كل شيء بدءا من “الانفجار العظيم” الذي حدث في بداية الكون، ومرورا بحالة الكون في الوقت الراهن ووصولا إلى الكيفية التي “سينتهي بها كل شيء”، حسب زعمه، ولكنه يعتقد أن هذه المعادلة لن تكتشف حتى نهاية القرن الحادي والعشرين، على الرغم من أنه يشعر بتشاؤم متزايد بخصوص إمكانية استمرار البشرية حتى ذلك الحين دون “تدمير نفسها”.

وكان هوكينغ لديه قناعة بوجود معادلة من هذا النوع، وهو يعتقد أن “نهاية البشرية” ستكون نتيجة لتأثير ظاهرة الاحتباس الحراري أو بسبب فيروس قاتل لا يستجيب لخلاصة جهود الطب الحديث، أو ببساطة نتيجة لارتطام مذنب كبير الحجم بالأرض.

 

وفي عام 1993 قدم كتابًا ثانيًا بعنوان “الثقوب السوداء والأكوان الطفلة”، يتضمن مجموعة من المواضيع المتفرقة كتبها هوكينغ على مدى ستة عشر عامًا، تعكس حالته المعرفية آنذاك، كما نشر عام 2001 كتابا ثالثا هو “الكون في قشرة جوز”.

صنع هوكينج لنفسه اسمًا في عالم الابتكارات والعلماء، على الرغم من إعاقته الجسدية الكبيرة التي تمنع أي شخص غيره من القيام بأي عمل أو كسب للرزق، ناهيك عن الاختراع ومقارعة العلماء، وإثبات نظريته أمام الكثير من كبار العلماء في هذا العصر.

وحاز هوكينغ، خلال مشواره الصعب، العديد من الأوسمة والميداليات من أشهرها ميدالية ألبرت آينشتاين فى عام 1979 ووسام قائد الإمبراطورية البريطانية (القائد) عام 1982 و الميدالية الذهبية للجمعية الفلكية الملكية فى عام 1985 وميدالية الحرية الأمريكية في عام 2009 وهى أرفع وسام أمريكي يمنح للمدنيين.

ولم تتوقف انشغالات هوكينغ عند حدود الفيزياء النظرية وهواجس فك ألغاز الكون، بل تعدتها إلى مواقف لافتة في السياسة والتاريخ، ولعل أبرزها إعلانه الشهير بمقاطعة إسرائيل والامتناع عن المشاركة في أي مؤتمر يقام في دولة الاحتلال.