الإثنين , يونيو 17 2019
الرئيسية / عباقرة / خليل مطران.. “شاعر القطرين” ترك الصحافة وافتتح “دكاناً”!
خليل مطران.. "شاعر القطرين" ترك الصحافة وافتتح "دكاناً"!
خليل مطران.. "شاعر القطرين" ترك الصحافة وافتتح "دكاناً"!

خليل مطران.. “شاعر القطرين” ترك الصحافة وافتتح “دكاناً”!


  

  • طه حسين: “مطران” حمى حافظ إبراهيم من الإسراف في المحافظة.. كما حمى “شوقي” من أن يسرف في التجديد
  • أثرّت مدرسته “الرومانسية الجديدة” على العديد من شعراء عصره ومنهم ناجي وأبو شادي والمهجريين
  • اشتغل بالصحافة في جريدة “الأهرام” وأصدر مجلة وصحيفة.. وعمل بالترجمة من الفرنسية إلى العربية
  • منحه الخديو عباس حلمي “الوسام المجيدي الثالث” وأطلق عليه لقب “شاعر القطرين” ومنحه وظيفة دائمة
  • عاش في “باريس” ردحاً من الزمن.. ثم غادرها بسبب نشاطه السياسي المعارض للسلطنة العثمانية
  • عُرف بحبه للحرية ونقمته على الطغاة.. وكان في الوقت ذاته صاحب مشاعر ومبادئ إنسانية رفيعة

 

 الشاعر اللبناني المصري خليل مطران أو “شاعر القطرين” واحد من أكثر الشعراء تفرداً وغرابةً في مسيرة الشعر العربي، فقد عُرف بغوصه في المعاني وجمعه بين الثقافتين العربية والفرنسية، كما اشتغل الرجل بالصحافة والترجمة ردحاً من الزمن، ثم ترك كل ذلك وراء ظهره وافتتح محلاً “دكاناً” صغيرا في القاهرة، كان يقف فيه ليبيع للزبائن بنفسه!

وُلد خليل عبده يوسف مطران، وهذا هو اسمه كاملاً، في الأول من يوليو عام 1871 في مدينة “بعلبك” اللبنانية، وتلقى تعليمه الأوليّ بالمدرسة “البطريريكية” التابعة للكنيسة المارونية في بيروت.

وكان والده تاجراً ميسوراً ومثقفاً، حيث كان معروفاً في المدينة بأنه يحفظ أشعار “ابن الفارض” عن ظهر قلب. أما والدة خليل فهي ملكة صباغ، الفلسطينية الأصل. وكانت معروفة بنظم الشعر في المناسبات. وقد ترك هذا البيت الثقافي تأثيره المباشر على الطفل “خليل” منذ بداياته الأولى.

جذوة “التمرد” الشعري

بعد أن درس “مطران” في مسقط رأسه “بعلبك” لمدة سنة واحدة. انتقل إلى مدينة زحلة ليتابع دراسته الابتدائية في إحدى مدارسها. وكانت تجربته في زحلة تجربة فاشلة، إذ قضى فترة الدراسة في “اللهو والعبث والتمرد كديدن الشباب” حسب تعبيره.

وتابع الشاب دراسته بعد “زحلة” في “معهد البطريركية” في بيروت حتى عام 1887، وكان قد بدأ ينضح ويتخلى عن طيشه، من دون أن يفقد “جذوة” التمرد عنده، كما أتقن في هذا المعهد أصول اللغة العربية، وأجاد اللغة الفرنسية التي بدأ يكتب الشعر بها قبل العربية، متأثراً بالأديب الفرنسي الشهير فيكتور هوغو، ثم شرع فيما بعد يكتب باللغتين معاً. ولم يكد ينهى دراسته في “معهد البطريركية” حتى اختارته إدارة المعهد للعمل في تدريس لغة الضاد.

وبدأ ينشر قصائده الأولى في صحيفة تسمى “لسان الحال”، أسسها الأديب والصحافي خليل سركيس عام 1884، واستمرت في الصدور حتى عام 1915، وكانت هذه الصحيفة هي أول مطبوعة تنشر أشعار “مطران” الرومانسية الأولى.

وفي صيف عام 1890 سافر “مطران” إلى باريس، وانضم إلى حزب “تركيا الفتاة” المعارض للحكم العثماني، إلا أنه واجه في باريس خلال العامين اللذين قضاهما هناك ضغوطاً من قبل سفارة السلطنة العثماني. وعندما وجهت إليه السلطات الفرنسية إنذاراً رسمياً بإيقاف نشاطه المعارض هذا، غادر باريس إلى مصر، حاملاً معه زاداً كبيراً من الأدب والثقافة الفرنسية عموماً، وزاداً من تاريخ فرنسا الحافل بأعلام الحرية. وكان من أبرز ما عُرف عن تأثره بالأدب الفرنسي التزامه المدرسة الرومانسية في الأدب التي تميز بها شعره في المراحل الأولى من مشواره الأدبي.

وصل “مطران” إلى مدينة الإسكندرية أولاً، وصادف وصوله إليها وفاة مؤسس جريدة “الأهرام” اللبناني الأصل سليم تقلا، فألقى قصيدة في رثائه. وفور انتهاء مراسيم الدفن والتأبين للراحل أقبل “بشارة” شقيق سليم تقلا على “مطران” معانقاً إياه، شاكراً له مشاركته في التأبين، مقترحاً عليه الانضمام إلى أسرة تحرير الصحيفة الوليدة وقتها، والتي كتنت تتخذ من مدينة “الثغر” مقراً لها.

وشارك “مطران” في تحرير “الأهرام” إلى أن انتقلت عام 1899 من الإسكندرية إلى القاهرة، فاقترح عليه بشارة تقلا أن يرأس تحريرها، لكنه لم يبق في الموقع سوى عام واحد فقط، حيث أنشأ بعد ذلك مجلة خاصة به هي “المجلة المصرية”.

وساعدته هذه المجلة على توثيق علاقاته بأدباء مصر الكبار آنذاك، وكان من أبرز من تعرف إليهم وأقام معهم علاقة زمالة شعرية كل من أمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ ابراهيم ومحمود سامى البارودي رفيق الزعيم أحمد عرابي، وكان قد نشر لبعض هؤلاء الشعراء الكبار قصائد في المجلة.

لكن “مطران” أوقف المجلة بعد عامين من صدورها، وأصدر سنة 1902 صحيفة يومية بالاشتراك مع صديقه الصحافي اللبناني يوسف الخازن، باسم “الجوائب المصرية”، لكنها لم تعش طويلاً، بسبب كلفتها العالية.

وبعد إيقاف صدور المجلة والجريدة، ترك العمل الصحافي وانطلق يعبر عن ذاته بالشعر. وإذ أدرك أن قرض الشعر لن يساعده على العيش، مارس التجارة، وافتتح محلا “دكاناً” صغيراً في أحد أحياء القاهرة الشعبية، كان يبيع فيه بنفسه!

ولم يسعفه هذا العمل التجاري البسيط أيضا على كسب عيشه، ولا رآه ملائماً لشخصيته. فترك التجارة، وبدأ يدرس الاقتصاد، وقام بترجمة موسوعة “التاريخ العالمي”، لكنه لم يكف عن مغامراته بحثاً عن المال. فاشتغل في البورصة وفي مضارباتها، وقادته هذه المغامرة إلى خسارة كل ما كان قد وفره من مال. وكانت نهاية تلك المغامرة في عام 1912. إلا أن تلك الكارثة، التي زادت من تشاؤمه ومن انطوائيته، سرعان ما فاجأته بحدث سار، تمثل في منحه “الوسام المجيدي الثالث” من قبل الخديو عباس حلمي، وإطلاق لقب “شاعر القطرين” عليه، مرفقاً بأمر خديويّ بإقامة حفل تكريم له في الجامعة المصرية، كما أن تكريم الخديو لم يكن معنوياً وحسب، بل تم تعيين مطران أميناً مساعداً لـ”الجمعية الزراعية الملكية” براتب شهري كبير، وهو المنصب الذى استمر فيه حتى نهاية حياته.

حامل لواء التجديد

حمل “مطران” مع آخرين من الشعراء والنقاد العرب لواء التجديد في الأدب والشعر العربي، فكان أحد الرواد الذين أخرجوا الشعر من أغراضه التقليدية والبدوية، إلى أغراض حديثة تتناسب مع العصر، مع الحفاظ على أصول اللغة والتعبير، كما كان أول من أدخل الشعر القصصي والتصويري إلى الأدب العربي.

وعُرف “شاعر القُطرين” كواحد من رواد حركة التجديد، وصاحب مدرسة في كل من الشعر والنثر، وتميّز أسلوبه الشعري بالصدق الوجداني والأصالة والرنة الموسيقية. وكما يعد مطران من مجددي الشعر العربي الحديث، فهو أيضاً من مجددي النثر فأخرجه من الأساليب الأدبية القديمة.

وعلى الرغم من محاكاة “مطران” في بداياته الإبداعية لشعراء عصره من المشاهير في أغراض الشعر الشائعة، من مدح ورثاء وخلافه، إلاّ أنه ما لبث أن استقر على المدرسة الرومانسية والتي تأثر فيها بثقافته الفرنسية، وكما عُنى أمير الشعراء أحمد شوقي بالموسيقى، والشاعر حافظ إبراهيم باللفظ الرنان، عُنى “مطران” بالخيال الشعري الجامح، وأثرّت مدرسته الرومانسية الجديدة على العديد من شعراء عصره، ومنهم إبراهيم ناجي وأحمد زكي أبو شادي وشعراء المهجر وغيرهم.

وتفوق “مطران” على كل من “حافظ وشوقي” معاً في قصائده الاجتماعية، والتي تناول فيها العديد من المواضيع، وحارب من خلالها الفساد الاجتماعي والخلقي المستشري في عصره، وهي خصيصة سبق بها الرجل عصره.

وأعرب عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عن رأيه في شعر “مطران”، فخاطبه قائلاً (إنك زعيم الشعر العربي المعاصر، وأستاذ الشعراء العرب المعاصرين، وأنت حميت “حافظاً” من أن يسرف في المحافظة حتى يصيح شعره كحديث النائمين، وأنت حميت “شوقي” من أن يسرف في التجديد حتى يصبح شعره كهذيان المحمومين).

تناول مطران في شعره العديد من القضايا والمواضيع، حيث كتب الشعر في الحب، وفي معاناته فيه، كما كتب في الشعر القصصي. وتغنى بالطبيعة وبجمالها، لكن ما استقر في شعره وأعطاه اسمه الكبير هو اهتمامه بقضية الحرية، وموقفه الثابت والصاخب ضد الطغيان وضد الطغاة في عصره.

ولم يكد “مطران” يبلغ الذروة في عالم الشعر حتى برزت كل مواهبه، وبرزت معها كل صفات الإنسان الحقيقي فيه. فإذا كان قد عُرف بثورته وتمرده منذ شبابه المبكر، وعُرف بحبه للحرية، وبنقمته على الطغاة، فإنه كان، في الوقت ذاته، صاحب مشاعر ومبادئ إنسانية رفيعة.

وكان للشاعر جوانب أخرى في حياته وفي نشاطه الثقافي والأدبي، أبرزها اهتمامه بترجمة الكتب في التاريخ والاقتصاد والتربية، فضلاً عن ترجمته لقصائد من الشعر الفرنسي ولعدد من الأعمال المسرحية. ويعتبر كتاب “مرآة الأيام في ملخص التاريخ العام” من أهم ترجماته في مجال التاريخ. ويتناول الكتاب صفحات من تاريخ اليونان والرومان وتاريخ القرون الوسطى وتاريخ مصر والهند وفينيقيا وتاريخ العرب وتاريخ الحروب الصليبية ومعظم الحضارات، وصولاً إلى مطلع القرن العشرين.

شاعر الفضيلة

صدرت كتب كثيرة عن تجربة “مطران” الشعرية في حياته وبعد وفاته، منها كتاب جميل جبر “خليل مطران”، الذى صدر في سلسلة أعلام الأدب والشعر تحت اسم “ما قل ودل”، وفي كتاب أحمد درويش “خليل مطران”، الصادر من ضمن سلسلة مشاهير الشعراء العرب، وفي كتاب منير عشقوتي “خليل مطران” الصادر ضمن سلسلة “شعراء لبنان”. وتتضمن هذه الكتب الثلاثة الكثير من الحديث السمات الأساسية لشعر الرجل، وهى تشكل مرجعاً مهماً إلى جانب مراجع أخرى عن سيرة “مطران”.

وكتـب “شاعر القطرين” الشعر القصصي في منحيين: تاريخي واجتماعي، فالأول أخذ مادته من التاريخ على غرار الشاعر البريطاني الأشهر وليم شكسبير، إما باستغلال القصة التاريخية، وإما بتناولها بخياله مع شيء من التحوير. أما النوع الثاني “الاجتماعي” فقد أخذ مادته من صميم الحياة الاجتماعية والبيئة التي يعيش فيها، وفي هذا الشعر تفوّق على كل من تقدمه من شعراء العرب، ولو قرأنا نتاجه لوجدنا ذلك النوع غالباً على معظم شعره.

إن الحركة الإبداعية التي قام بها “مطران” لم تكن في جميع نواحيها مجرد تجديد أو خروج على القديم فقط، إنما كانت في بعض النواحي تتصل بالأغراض العامة للشعر من دون المبنى، مثل قيام حركته الإبداعية على أساس إدخال الشعر القصصي والتصويري إلى الأدب العربي، وهذان الضربان يخلو منهما في الأصل الشعر العربي القديم، كما يخلو منهما الشعر الإتباعي الحديث.

وقصص مطران الشعرية هي صور من الحياة البشرية، بعضها واقعي ومحتمل الوقوع يلوّنها خياله الخلاّق، وهو في هذا الشعر يراعي القصة من عرض وعقدة وحل، ويتقيد بها في أكثر الأحيان، كما أنه في هذا الشعر يؤمن بالفضيلة ويدعو إليها، وينزع نحو التعليم والتهذيب، حتى منحه البعض لقباً آخر هو “شاعر الفضيلة”.

ومن أشهر قصائده: “المساء، موت عزيز، الأسد الباكي، وفاء، الجنين الشهيد، المنتحر، الطفل الظاهر، نيرون، فتاة الجبل الأسود، شيخ أثينا، بين القلب والدمع، الزنبقة”.

وبعد رحلة إبداع طويلة، توفي “مطران” في منزله ووسط أصدقائه من الشعراء والمثقفين بالقاهرة في الأول من يونيو عام 1949، بعد أن اشتد عليه المرض، لتشهد مصر وفاته كما شهدت انطلاقته الأدبية.