الإثنين , يونيو 17 2019
الرئيسية / عباقرة / مصطفى صادق الرافعي.. “الأصّم” الذي أسمع الدنيا “وحي قلمه”
مصطفى صادق الرافعي.. "الأصّم" الذي أسمع الدنيا "وحي قلمه"
مصطفى صادق الرافعي.. "الأصّم" الذي أسمع الدنيا "وحي قلمه"

مصطفى صادق الرافعي.. “الأصّم” الذي أسمع الدنيا “وحي قلمه”


 

  • لم يتجاوز الشهادة “الابتدائية” في تعليمه النظامي مثل خصمه الأدبي اللدود عباس العقاد
  • اعتبر أن “دعوة التجديد” التي أطلقها طه حسين قناع للنيل من اللغة العربية والطعن في القرآن الكريم
  • استطاع بعمق ثقافته أن يكتب من ذاكرته كتابا يقع في 3 مجلدات عن “الأدب العربي”
  • النقاد: كان عنيفاً حاد اللسان والطبع لا يعرف المداراة.. وكانت فيه غيرة واعتداد بالنفس
  • اضطره الصمم الذي أصابه مبكرا إلى ترك التعليم الرسمي.. واستعاض عنه بمكتبة أبيه الزاخرة

 

 

مصطفى صادق الرافعي هو بلا منازع ساحر البيان العربي، الذي سمىّ نفسه “ابنُ جلا طلّاع الثنايا”، وهو جزء من بيت شعر منسوب إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، يعبر عن قوة الشكيمة.

لم يتجاوز الرافعي الشهادة “الابتدائية” في تعليمه النظامي، لكنه استطاع بإرادة حديدية أن يثقف نفسه بنفسه، مثل خصمه الأدبي اللدود عباس العقاد، كما خاض الرجل عشرات المعارك الأدبية ضد خصوم الثقافة العربية، وكان حادا عنيفا في هذه كل المعارك.

وُلد الرافعي في أول يناير “كانون الثاني” عام 1880 في بيت جده لأمه بقرية “بهتيم” شمال القاهرة، من أب كان يعمل قاضيا شرعيا، وأم من أصل سوري كانت ربة منزل. وكان الوالد بحكم عمله كثير التنقل، ولذلك عاش الابن سنواته الأولى بمدينة “طنطا” في دلتا مصر.

وزخرت مكتبة والده بنفائس الكتب، كما تشرَّف منزل والده باستضافته لكوكبة من أعلام العلم والأدب، وقد تأثر الرافعي بتلك الكوكبة، واستلهم منهم أُفقا جديدا من آفاق المعرفة، وقد أوفده والده إلى كُتاب القرية؛ فحفظ القرآن الكريم وأتمَّه وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، ثم انتسب إلى مدرسة دمنهور الابتدائية، ومكث بها فترةً من الزمن، انتقل بعدها إلى مدرسة المنصورة الأميرية وحصل منها على الشهادة الابتدائية، وقد توقف مشواره التعليمي عند هذا الحد.

عندما يتكلم الأصّم

حصل الرافعي على الشهادة الابتدائية بتفوق، ثم أصيب بمرض “التيفود” الذي ألزمه الفراش لعدة أشهر، وخرج من هذا المرض مصابا في أذنيه وشبه أصم، واستفحل به الأمر حتى فقد السمع نهائيا في الثلاثين من عمره.

وكان الرافعي من ذوي الإرادة الحازمة القوية فثقف نفسه بنفسه حتى آخر لحظة في حياته، ولم يعبأ بالعقبات في طريقه، وإنما اشتد عزمه وأخذ نفسه بالجد والاجتهاد على الدوام، واضطره الصمم الذي أصابه مبكرا إلى ترك التعليم الرسمي، واستعاض عنه بمكتبة أبيه؛ فعكف على قراءة واستيعاب كل ما فيها. وقد تقلَّدَ عددًا من المناصب؛ فعمل كاتبًا في محكمة طلخا، ثم انتقل إلى محكمة إيتاي البارود، ثم محكمة طنطا الشرعية، واختتم حياته المهنية بالانتساب إلى المحكمة الأهلية.

بدأ الرافعي مسيرته الأدبية شاعرا، وقبل بلوغه العشرين من عمره وفي عام 1903 أصدر ديوانه الأول الذي كان له صدى كبيرا في الأوساط الأدبية وقتها، إذ كتب عنه الشاعران محمود حسن البارودي وحافظ ابراهيم، كما أرسل له الشيخ محمد عبده والزعيم الوطني مصطفى كامل له مهنئين، ومتوقعين له مستقبلا باهرا.

وتزوج الرافعي عام 1904 بفتاة ذات أصل طيب من أسرة  مشهورة بمدينة “المنصورة”، وعاش حياة زوجية نموذجية، فكان زوجا مثاليا عطوفا، ويتعامل مع زوجته بروح الندية و”المشورة” دائما، وفق تعبيره.

ولم يستمر الرجل طويلا في ميدان الشعر، بل انصرف عنه إلى الكتابة النثرية على الرغم مما أنجزه في ميدان الشعر من نجاح، حيث رأى أنه لم يكن ليستطيع أن يتجاوز المكانة التي وصل إليها كبار شعراء في عصره وخاصة أمير الشعراء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهما، ولم يكن الرافعي يرضى بأقل من القمة في أي مجال، لذلك عزف عن الشعر فيما بعد.

وعمد الرجل إلى التعبير “نثرا” عن عواطفه التي كانت تملأ قلبه ولا يتعداها إلى تصرفات تخرج به عن حدود الالتزام الأخلاقي والديني، حيث عاش عام 1912 في لبنان، وهناك ألف كتابه “حديث القمر”، ووصف فيه مشاعر الشباب وعواطفهم وخواطر العشاق في أسلوب رمزي على ضرب من النثر البارع.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، ونزوع المستعمر البريطاني لمصر إلى تحويل كل خيرات البلاد لحساب هذه الحرب، ما ترك أهلها ضحايا للجوع والفقر، نظر الرافعي حوله فرأى بؤساً متعدد الألوان، مختلف الصور والأشكال، فانعكس ذلك كله في كتابه كتاب “المساكين”.

معركة مع طه حسين

أما الميدان الثاني الذي أبدع فيه الرافعي فهو ميدان الدراسات الأدبية، ومن ذلك كتابه الضخم “تاريخ آداب العرب” الصادر عام 1911، والذي أول كتاب في هذا الموضوع يظهر في العصر الحديث لأنه ظهر في أوائل القرن العشرين وبالتحديد سنة ثم كتب الرافعي بعد ذلك كتابه المشهور “تحت راية القرآن” وفيه يتحدث عن اعجاز القرآن، ويرد على آراء الدكتور طه حسين في كتابه المعروف باسم “في الشعر الجاهلي”.

وخاض الرافعي معركة مع عميد الأدب العربي، معتبرا أن “دعوة التجديد” التي أطلقها طه حسين إن هي إلا قناع للنيل من اللغة العربية مصورة في أرفع أساليبها من خلال كتاب “الشعر الجاهلي”، وبابا يُقصد منه الطعن في القرآن الكريم والتشكيك في إعجازه، ومدخلاً يلتمس فيه الزراية بالأمة منذ كان للعرب شعراً وبياناً.

وراح الرافعي يقاوم في كتاباته هذه الدعوة، جهاداً تحت راية القران، فجمع في كتابه “تحت راية القرآن” كل ما كٌتب عن المعارك التي دارت بين القديم والجديد، ما جعله أفضل الكتب العربية في النقد ومنافحة الرأي بالرأي، ما جعله أعلى كتبه مكانة بعد رائعته “وحي القلم”.

في عام 1934 بدأ الرافعي يكتب مقالة أدبية أو قصة أسبوعياً، وينشرها في مجلة “الرسالة”، ويعتبر النقاد ما نشره الأديب الكبير في “الرسالة” من أبدع ما كُتب في الأدب العربي الحديث، وجمع الكاتب هذه المقالات في كتابه “وحي القلم”.

من أشهر أقوله في هذا الكتاب: “وَما أخال أحداً يستطيعُ أنْ ينقضَ حرفاً واحداً ممّا كتبته، وَإنْ همْ لزموا الصّمتَ فحسبكَ من سكوتهم إذْ ذاك إقراراً منهم بأني أنْزلتُ كلَّ شاعرٍ فـِي المنزلةِ التي يستحقّها. وَلا يعنيكَ معرفةُ اسمي، فأنا ابنُ جلا وَ طلّاع الثنايا, فانظر إلى ما قيلَ وَ ليْسَ لمنْ قال. فإنْ أعجَبَتك مقالتي فَانشرها وَ إلّا فاضْربْ بها عَرضَ الحائط”!

خصومات أدبية

كان الرافعي ناقدا عنيفاً حاد اللسان والطبع لا يعرف المداراة، ولا يصطنع التكلف في نضاله ضد خصومه، وكانت فيه غيرة واعتداد بالنفس، وكان فيه حرص على اللغة كما يقول: ” من جهة الحرص على الدين إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء لا منفعة بأحدهما إلا بقيامهما معا”.

وكانت للرجل خصومات أدبية عديدة مع شخصيات عنيدة وأسماء نجوم في الأدب والفكر والثقافة في مطلع القرن، فكانت بينه وبين مصطفى لطفي المنفلوطي خصومة ابتدأها هذا الأخير بسبب رأي الرافعي في شعراء العصر. وكانت له صولات مع الجامعة بشأن طريقة تدريس الأدب العربي، وجولات أخرى مع الدكتور زكي مبارك. على أن أكثر معاركه شهرةً وحدة هو ما كان بينه وبين طه حسين، وبينه وبين العقاد، بل لعلها أشهر وأقسى ما في العربية من معارك الأدب.

ويقول الرافعي مخاطبا المستغربين:”علم الله ما فتن المغرورين من شبابنا إلا ما يأخذهم من هذه الحضارة فإن لها في زينتها ورونقها أخذة كالسحر فلا يميزون بين خيرها وشرها ولا يفرقون بين مبادئها وعواقبها ثم لا يفتنهم منها إلا ما يدعوهم إلى ما يُميت، ويصدهم عما يُحيي وما يحول بينهم وبين قلوبهم فليس إلا المتابعة والتقليد”.

على الرغم من أن “الرافعي” درس اللغة الفرنسية في المدرسة الابتدائية إلا أنها لم تظهر عليه إلا قليلاً، بل أخذ ينمي ثقافته بعصاميته، وقد وضع كتب التراث أساسًا ومحورًا لها بالإضافة إلى بعض القراءات المترجمة، لكن ظل التراث نبعًا ثريًّا ينهل منه حتى وفاته.

وفي كتابه “حياة الرافعي”، يقول الكاتب الراحل سعد العريان: “إن الرافعي وصل بعمق ثقافته في التراث إلى أن يكتب كتابا من ذاكرته، يقع في ثلاثة مجلدات، وما هو إلا توفيق الله له؛ أعانه على أن يبعث أروع الأدب في هذه الأمة من جديد” .

وكان الرافعي حريصًا على أن تكون كتب التراث في مقدمة ثقافة الدارسين للغة والآداب؛ حتى يرتكز الأديب على ركن أصيل وتراث زاخر يحميه من كل الأفكار الوافدة التي قد تعصف به، كما حدث مع الكثرة ممن انسلخوا من تراثهم وحاولوا أن ينالوا من هذه اللغة ومن أصالتها، وقد وقف الرافعي لأصحاب هذه الدعوات بالمرصاد، وقامت بينه وبينهم معارك أدبية عنيفة.

وكان في كل معاركه كما قال العريان، “ناقدا عنيفا حديد اللسان لا يعرف المداراة ولا يصطنع الأدب في نضال خصومه، وكان فيه غيرة واعتداد بالنفس، وكان فيه حرص على اللغة من جهة الحرص على الدين”.

وفي مقال تحت عنوان “ماذا أرى في التجديد والمجددين؟”، قال الرافعي “لقد كتبتُ كثيرًا في هذا الباب، وأمضيتُ في كلِّ قضية حكمها، ووضعتُ لكل صورة ألوانها، وضربتُ وجهي القياس عند أهل هذا الجديد، فيما يستقيم لهم ويلتوي عليهم، ولكن فنون الكتابة في هذه المعاني كفنون الحرب، وفيما أرى لابدَّ فيها من إبداع لتغيير ما لا يتغير في ذات نفسه. وعلى ما بلغت وسائل الموت في العلم والجهل فإنها لم تستطع أن تميت أحدًا مرتين، ولن نجعل الموت من بعد إلا ما هو من قبل، ومع ذلك فهي لا تزال تجدِّد وتبدع، فهل عند أصحابنا المجددين وسيلة لإحيائنا مرتين!”.

ساحر البيان العربي

تميز أسلوب الرافعي بالقوة والصلابة وبثراء اللغة وكثرة المجازات والاستعارات، والتفنن في ابتكار الاشتقاق من الأفعال، والذهاب بها كل مذهب في فضاء البيان الرحب. وكان الرجل يرى أن اللغة العربية بخصائصها المميزة هي روح الأمة، وهي قوام فكرها ووعاء ثقافتها، ويجب أن تصان عن الإسفاف والابتذال.

وأثرى الرجل بحر الأدب بالعديد من إبداعاته النثرية؛ حيث قدم العديد من المؤلفات الأدبية والدينية ومن أشهرها “وحي القلم” ثلاثة أجزاء و”أوراق الورد” و”حديث القمر” و”رسائل الأحزان” و”السحاب الأحمر” و”المساكين” و”تاريخ آداب العرب” وتحتَ رايةِ القرآن”، و”إعجاز القرآن والبلاغة النبوية”.

ويقول الأكاديمي المغربي د. عبدالسلام أقلمون “عاش الرافعي مرحلة تاريخية تعج بالأسماء الكبيرة في مجال الشعر والنقد والأدب. وكانت المرحلة واقعة تحت تأثير مظاهر التخلف الكبير الذي يعيشه العالم الإسلامي، في مقابل علامات مشرقة للتمدن الغربي أسرت ألباب الكثير من المفكرين والباحثين خصوصا أولئك الذين قدّر لهم أن ينتظموا في بعثات علمية إلى ديار الغرب.

وبعد حياة حافلة بالمعارك، وفي 10 مايو “آيار” عام 1937 استيقظ الرافعي لصلاة الفجر، ثم جلس يتلو القرآن، فشعر بحرقة في معدته، تناول لها دواء، ثم عاد إلى مصلاه، ومضت ساعة، ثم نهض وسار، لكنه سقط على الأرض، ولما هب له أهل الدار، وجدوه قد فاضت روحه الطيبة إلى بارئها، وحمل جثمانه ودفن بعد صلاة الظهر إلى جوار أبويه في مقبرة العائلة في “طنطا”، عن عمر ناهز 57 عاماً.