الأربعاء , يوليو 17 2019
الرئيسية / حلول مبتكرة / مصطفى محمود.. من مزالق الشك إلى دروب اليقين
مصطفى محمود.. من مزالق الشك إلى دروب اليقين
مصطفى محمود.. من مزالق الشك إلى دروب اليقين

مصطفى محمود.. من مزالق الشك إلى دروب اليقين


 

  • اشتهر أثناء دراسته في كلية الطب بين زملائه بلقب “المشرحجي” بسبب وقوفه الدائم أمام أجساد الموتى
  • تزوج مرتين وانتهت الزواج بالطلاق لأنه كان يفضل العزلة في “معمله الفلكي” على صحبة الناس
  • عرض عليه الرئيس السادات منصب وزير الصحة فقال له: “لقد‏ ‏فشلت‏ ‏في‏ ‏إدارة‏ ‏أسرة.. فكيف أدير وزارة”!
  • حوكم جنائياً بسبب كتابه “الله والإنسان” وطلب عبد الناصر بنفسه تقديمه للمحاكمة بناء على طلب الأزهر
  • كان يقيم معظم الوقت في غرفة فوق سطح مسجده يسميها “التابوت” وعاش سنواته الأخيرة وحيداً

 

استطاع الكاتب والمفكر الراحل الدكتور مصطفى محمود أن يجمع بين “العلم والإيمان” في سبيكة واحدة، ولا غرابة أن جعل الرجل هذا اسماً للبرنامج التليفزيوني الشهير الذي قدمه على مدار 26 سنة متصلة، وعاش الرجل رحلة نجاح حافلة، أمضى خلالها سنوات طويلة من العزلة والتأمل حتى وصل إلى “الحقيقة”، واستطاع أن ينجو بنفسه من مزالق الشك إلى دروب اليقين.

وخلال هذه الرحلة، حوكم جنائياً بسبب كتاباته المثيرة للجدل، كما نال أيضاً أعلى درجات التكريم، حيث عرض عليه الرئيس الراحل السادات منصب وزير الصحة، لكنه رفض قائلاً: “لقد‏ ‏فشلت‏ ‏في‏ ‏إدارة‏ ‏أسرة صغيرة.. فكيف أدير وزارة كاملة”!

ولِد مصطفى كمال محمود حسين محفوظ، وهذا هو اسمه كاملاً، في 27 ديسمبر 1921 بإحدى مدن إقليم “المنوفية” شمال القاهرة, بعد 7 أشهر فقط من حمل أمه به، لذلك كان يقول عن نفسه أحيانا إنه “ابن سبعة”، وهو وصف متداول في المجتمع المصري عن الشخص العصبي حاد الطباع.

وتوفى والده عام 1939 بعد 7 سنوات بسبب إصابته بشلل نصفي، وكان “مصطفى كمال” الطفل، وهو اسم مركب، منذ صغره محباً للعلوم، فكان يمتلك معملاً صغيراً في المنزل، وبدأ بالفعل وهو صبي يصنع “مبيدات” يقتل بها الصراصير، ثم يقوم بتشريحها، فقد كان علم التشريح يستهويه بشدة في تلك الفترة المبكرة من حياته.

مشاجرة في المدرسة

تلقى مصطفى محمود تعليمه الأوليّ بمدينة “طنطا” في شمال الدلتا، وبدأ حياته متفوقاً في الدراسة، لكن الغريب أنه تشاجر مع معلم مادة “اللغة العربية” وهو في الصف الأول الابتدائي، بسبب خلاف بينهما على إعراب إحدى الجمل أثناء الحصة، فصفعه المعلم على وجهه، وأدت هذه المشاجرة إلى تركه الدراسة مدة 3 سنوات، حيث كان يتلقى تعليما منزلياً على يد والدته.

وعاد الصبي المشاكس مرة أخرى إلى مقاعد الدرس، والتحق بكلية الطب في جامعة فؤاد الأول “القاهرة حالياً”، واشتهر بين زملائه في الكلية بلقب “المشرحجي”، نظرا لوقوفه طوال اليوم أمام أجساد الموتى؛ طارحا التساؤلات حول “سر الحياة والموت” وما بعدهما.

وتخرج في الكلية عام 1953 وعُيّن طبيباً للأمراض الصدرية في “مستشفى أم المصريين” العام بالجيزة، ثم أصبح متخصصاً في جراحة المخ والأعصاب, لكنه ترك الطب نهائياً، وتفرغ للكتابة والبحث عام 1960.

وفي تلك الفترة من حياته، كتب ٣٠ قصة قصيرة، وعرضها على الأديب الكبير عباس العقاد، الذي أُعجب بها، ونشر له أول قصتين عام ١٩٤٧ في مجلة “الرسالة”، ثم في “آخر ساعة”، وكان يوقع قصصه باسم “م. م”، حتى أن الكاتب الراحل أنيس منصور كان يتندر قائلاً إن “هذا الكاتب الموهوب إما أن يكون سيدة اسمها مارى منير أو مارلين مونرو!”. وحينما علم أنه طبيب ويكتب بهذه السلاسة والجمال، أعرب عن دهشته الشديدة.

كما نشر عددا من القصص القصيرة في مجلة “روز اليوسف”، وعمل بها لفترة عقب تخرجه، مما دفعه لاحتراف الكتابة، ‏وعندما‏ ‏أصدر‏ ‏الرئيس‏ الراحل جمال ‏عبد‏ ‏الناصر‏ ‏قرارا‏ً ‏بمنع‏ ‏الجمع‏ ‏بين‏ ‏وظيفتين‏، كان‏ ‏مصطفى‏ محمود ‏وقتها‏ ‏يجمع‏ ‏بين‏ ‏عضوية‏ ‏نقابتي‏ ‏الأطباء‏ ‏والصحفيين‏، ولذا ‏قرر‏ ‏الاستغناء‏ ‏عن‏ ‏عضوية‏ ‏نقابة‏ ‏الأطباء‏، ‏وحرمان‏ ‏نفسه‏ ‏من‏ ‏ممارسة‏ ‏المهنة‏ ‏إلى الأبد،‏ ‏مفضلًا ‏الانتماء إلى ‏نقابة‏ ‏الصحفيين‏، والعمل كأديب ومفكر.

ولمّا سُئل: ماذا يملك الطبيب من إمكانات تشجعه على أن يكون أديباً وفناناً؟ أجاب بأن للطب علاقة وثيقة بالحياة وأسرارها وخفاياها، فالطبيب هو الوحيد الذي يحضر لحظة الميلاد ولحظة الموت، وهو الذي يضع يده على القلب ويعرف أسرار نبضه، وكل الناس يخلعون ثيابهم وأسرارهم، بين يدي الطبيب، فهو الوحيد الذي يباشر الحياة عارية من جميع أقنعتها، وبما أن الطب علم، والأدب علم، فالتكامل في الحياة البشرية قضى بأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر، يعني الطب والأدب، وكذلك الطبيب والأديب.

وغاص الرجل في تيار “الفلسفة الوجودية” الذي ظهر في عقد الستينيات من القرن الماضي، كما قرأ الكثير الكثير عن فلسفة ديكارت، والبوذية، والبراهمية، والزرادشتية، وقضى ثلاثين عاما من المعاناة الفكرية، وكان لهذه التجربة أثرها في صنع شخصيته الفذة المثيرة للجدل.

أمام محكمة الجنايات

وعندما نبحر في عقل المفكر مصطفى محمود ستتلاقى أمواج كثيرة من الفكر والأدب، والفلسفة والعلم، فهو رجل شغل الناس بأفكاره وآرائه التي ظهرت من خلال ‏مؤلفاته، والتي ‏تتراوح‏ ‏بين‏ ‏القصة‏ ‏والرواية‏ ‏‏والمسرحية، والمؤلفات‏ ‏العلمية‏ ‏والفلسفية‏ ‏والاجتماعية‏ ‏والسياسية‏ ‏، فضلاً عن آلاف المقالات بالجرائد والمجلات المختلفة.

وكثيراً ما اتُهم مصطفى محمود بأن أفكاره وآراءه السياسية متضاربة إلى حد التناقض؛ إلا أنه كان لا يرى ذلك، ويؤكد أنه ليس في موضع اتهام، وأن اعترافه بأنه كان “على غير صواب” في بعض مراحل حياته هو ضرب من ضروب الشجاعة والقدرة على نقد الذات، وهو شيء يفتقر إليه الكثيرون من المفكرين العرب.

وهو يقول في أحد كتبه: “احتاج الأمر إلى 30 سنة من الغرق في الكتب، وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل مع النفس، وتقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين”.

وتعرض الكاتب لأزمات فكرية كثيرة خلال مسيرته الطويلة، كان أولها عندما قُدم للمحاكمة الجنائية بسبب كتابه “الله والإنسان” وطلب الرئيس عبد الناصر بنفسه تقديمه للمحاكمة بناء على طلب الأزهر، إلا أن المحكمة اكتفت بمصادرة الكتاب فقط زمناً، حتى أدخل عليه المؤلف تعديلات أساسية، وحذف منه أشياء عدل عنها، وأعاد طباعته مجدداً.

وكان صديقاً شخصياً للرئيس أنور السادات، وعندما عرض عليه الأخير تولي منصب وزير الصحة،  غير أنه رفض قائلاً: “لقد‏ ‏فشلت‏ ‏في‏ ‏إدارة‏ ‏أصغر‏ ‏مؤسسة‏ ‏وهي‏ الأسرة.. فأنا مطلق.. فكيف يتسنى لي أن أدير وزارة كاملة”!

ويعتبر الكثيرون أن عهد السادات كان عصر الدكتور مصطفى محمود بامتياز، حيث شعر الكاتب بانفراجة حقيقية في مجال الحريات العامة، وبأن طاقة من الحرية فُتحت له، فأصدر عدداً كبيرا من الكتب.

أخرج الراحل الكبير 89 كتابا، تتراوح بين القصة والرواية الصغيرة إلى الكتب العلمية والفلسفية والاجتماعية والسياسية إضافة إلى الفكر الديني، ومرورا بأدب الرحلات والمجموعات القصصية والخيال العلمي. ومن أشهر مؤلفاته الغزيرة “رحلتي من الشك إلى الإيمان” و”المستحيل”، و”الأفيون”، “العنكبوت”، و”الخروج من التابوت” وغيرها من المؤلفات التي مازلت تُطبع وتوزع على نطاق واسع في مصر والعالم العربي، فقد أسلوبه في الكتابة يتميز بالجاذبية مع العمق والبساطة.

ونال العديد من الجوائز الأدبية على مدار حياته، فحازت روايته “رجل تحت الصفر” على جائزة الدولة التشجيعية لعام 1970، كما صُنّف حسب دراسة أمريكية كأحد أهم عقول القرن العشرين.

وقدّم حوالي 400 حلقة من برنامجه التلفزيوني الشهير “العلم والإيمان” الذي تناول فيه معجزات الله في ، واستمر البرنامج منذ عام 1971 حتى 1997، بشكل أسبوعي، وكان يحظى بأكبر نسبة مشاهدة في الثمانينات من القرن الماضي.

ومن المفارقات التي كشفها أحد العاملين بالتليفزيون المصري أن مصطفى محمود كان يتقاضى 15 جنيها فقط كأجر في الحلقة الواحدة، إذ كانت الميزانية التي رصدها التليفزيون للحلقة هي 30 جنيها يتقاضى منها الرجل النصف، ويُخصص النصف الآخر لشراء المواد الفيلمية التي كان يستعين بها مقدم البرنامج في كل حلقة!

وواجهت البرنامج أزمة عام 1976 بسبب نفاد الأفلام التي تتضمن اللقطات التي كان يستعين بها الرجل، مما جعله يسافر لإحضار شرائط جديدة، على نفقته الخاصة خوفا من توقف البرنامج إلى أن تحمس أحد المنتجين في ذلك الوقت وتولى إنتاج البرنامج.

وبنى مسجدا جامعاً في حي “المهندسين” بالجيزة، يحمل اسم والده “مسجد محمود” عام 1979، وتتبعه “جمعية محمود الخيرية” والتي تضم مستشفى ومركز لطب العيون، يُعالج فيه المرضى الفقراء بمقابل رمزي حتى هذه اللحظة.

تزوج عام 1961 وانتهت هذه الزيجة بالطلاق عام 1973، ورُزق بولدين هما “أمل” و”أدهم”، ثم تزوج ثانية عام 1983 وانتهى هذا الزواج أيضا بالطلاق عام 1987، فقد كان الرجل يفضل العزلة التامة والتأمل على صحبة الناس، ويعيش في معمله الفلكي المقام فوق المسجد، حيث كان يقضي معظم وقته في مراقبة الأفلاك والنجوم، ويقال إنه كان يُمضي أسابيع طوالاً دون أن يخرج من عزلته.

ويذكر المقربون له أنه كان يقيم معظم الوقت في غرفة فوق المسجد يسميها “التابوت”، فقد كان الموت في مخيلته دائما. وكان يصف نفسه بأنه إنسان لا يُحتمل، صعب الطباع، ومن يعاشره لابد أن يفهمه جيدا، فهو مفكر وفيلسوف وفنان، وبالتالي فإن لحياته أطوار غريبة من الانطواء والعزوف، ويحتاج إلى معاملة خاصة، ولذلك لم تستمر حياته الزوجية.

واشتهر بهجومه المتواصل على الصهيونية، حيث كان يؤكد أن اليهود وراء هذه الشبكة الأخطبوطية من الفساد والإفساد في العالم كله، ما تسبب في تعيين حارس‏ ‏من الشرطة على باب منزله ‏منذ‏ ‏سنوات‏،‏ ‏بتكليف‏ ‏من‏ ‏وزارة‏ ‏الداخلية،‏ ‏لحراسته بعد‏ ‏التهديدات‏ ‏التي‏ ‏تلقاها‏ من جهات دولية.

وأصيب الكاتب والمفكر بجلطة في المخ عام 2003، أثرت بشدة على حركته وكلامه. ولكن مع العلاج تحسنت حالته الصحية، واستعاد القدرة على الحركة والنطق مرة أخرى، غير أنه استمر في عزلته وحيداً حتى رحيله.

وتوفي مصطفى محمود صباح 31 أكتوبر 2009، بعد رحلة علاج استمرت عدة أشهر، وأجريت له ثلاث عمليات جراحية في المخ بعد أن تعرض لنزيف بين الجمجمة والجزء الخارجي، فرحل عن عمر ناهز 88 عاماً، وتم تشييعه إلى مثواه الأخير من مسجده بالمهندسين، وشهد الآلاف من المواطنين البسطاء جنازته، ولم يشارك فيها أي من المشاهير أو المسؤولين في الحكومة، ولم تتحدث عنه وسائل الإعلام الرسمية إلا قليلا، بسبب عزلته الشديدة والتعتيم الإعلامي الذي غيّبه تماما عن دائرة الضوء سنوات طويلة، حتى أن الكثيرين الذين كانوا يتابعون برنامجه “العلم والإيمان” كانوا يظنون أن الحلقات مسجلة، أنه رحل عن الدنيا منذ سنوات.

وكانت حياته الحافلة رحلة علمية وفكرية وفلسفية ممتعة، جعلت منه نهراً جارياً من العطاء الإنساني، وحالة من الزهد والعزلة والتأمل، فعاش عمره مستقلاً، لم يسع لمنصب أو ينتمي لجماعة أو حزب، ما جعل له مكانة خاصة ومصداقية كبيرة على مر الأجيال.