الجمعة , أبريل 19 2019
الرئيسية / حلول مبتكرة / موزارت.. العبقري الذي انطلق كالسهم وانطفأ كالشهاب
موزارت.. العبقري الذي انطلق كالسهم وانطفأ كالشهاب
موزارت.. العبقري الذي انطلق كالسهم وانطفأ كالشهاب

موزارت.. العبقري الذي انطلق كالسهم وانطفأ كالشهاب


 

  • والده استطاع أن يجعل منه “أعجوبة الزمان” في عصره حتى أنه قاد أوركسترا وهو في السابعة من عمره!
  • اعتبره معاصروه أمهر عازف بيانو على الإطلاق.. ويستطيع أن يحفظ أي مقطوعة بمجرد أن يسمعها مرة واحدة
  • كان جوزيف الثاني إمبراطور النمسا يُجلس موزارت على كرسي بجواره وينادي عليه أمام الحاشية “يا ساحري الصغير”!
  • الموسيقار هايدن عن موزارت في صباه: هذا الطفل هو أعظم موسيقي رأيته في حياتي.. إنه معجزة بين المعجزات
  • كتب أكثر من 40 سيمفونية يُؤدَى الكثير منها حتى يومنا هذا باعتبارها من أعمالا عبقرية
  • مات ميتة غامضة ما زالت محل جدال بين المؤرخين والعلماء وقيل إن منافسه “سالييري” دس له السم

 

فولفغانغ أماديوس موزارت، واحد من أهم أعلام الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية على مر العصور، و”أعجوبة زمانه” الذي قاد أوركسترا وهو في السابعة من عمره، وانطلق في عالم الشهرة كالسهم، ولكنه انطفأ فجأة كالشهاب، فقد ألّف 626 عملا موسيقيا، ومات عن 35 عاماً فقط.

وسيرة حياة موزارت القصيرة “مأساة” بمعنى الكلمة، فقد عاش الرجل حياة مضطربة، وكان يعتمد في كسب عيشه على موهبته التي أبهرت معاصريه، بعد أن استطاع والده معلم الموسيقي أن يجعل منه “أعجوبة الزمان” في عصره حتى أنه قاد أوركسترا وهو في السابعة من عمره، ومات ميتة غامضة ما زالت محل جدال بين المؤرخين والعلماء حتى هذه اللحظة.

وُلد فولفغانغ أماديوس ليوبولد موزارت أو “موتسارت” كما يُنطق الاسم باللغة الألمانية، في 27 يناير عام 1756 بمدينة “سالزبورغ” النمساوية، التي شكلت مع العاصمة “فيينا” مركزا للموسيقى في أوروبا وقتها، وقبلة لكل العازفين والموسيقيين من فناني ذلك الزمان.

وكان والده ليوبولد موزارت يعمل مفوضاً لإدارة الأوركسترا لدى رئيس الأساقفة في مدينة “سالزبورغ”، ويعد الوالد في تاريخ الموسيقى مؤلفاً موسيقياً ثانوياً، وله كتاب تعليمي عن آلة الكمان، لكنه استطاع أن يجعل من ابنه “الموسيقى المعجزة” في عصره، حتى أنه قاد أوركسترا وهو في سن السابعة من عمره!

أعجوبة زمانه

في سن الرابعة، أخذ والد موزارت يعطيه دروساً موسيقية كما لو أنها كانت ألعابا، وهكذا استطاع تدريبه على عزف المقطوعات القصيرة  في بضع دقائق، فكان يعزف بانطلاق وفي دقة عظيمة، منضبطاً في الإيقاع. وفي سن الخامسة شرع موزارت في تأليف قطع موسيقية، وكان يعزفها لوالده الذي يدونها على الورق.

وشارك الصبي “فولفغانغ” في جولة موسيقية جابت أوروبا مع أسرته، لاستمرت بضع سنوات، وكان يُنظر إليه باعتباره “العبقري الصغير”، وبدأت هذه الرحلة بعرض موسيقي في مدينة ميونيخ الألمانية سنة 1762 ثم في براغ وفيينا برفقة أبيه وأخته، التي كانت صاحبة موهبة موسيقية ملفتة أيضا، وقابل الصبي الموهوب خلال هذه الرحلة العديد من مشاهير الموسيقيين لكن أكثرهم تأثيراً عليه كان يوهان سباستيان باخ الذي التقاه موزارت الصغير في لندن سنة 1765 أثناء هذه الرحلة الطويلة، وأثنى عليه باخ ثناء عظيما.

وعندما سمعه الموسيقار الشهير جوزيف هايدن، قال لوالده: أقسم لك بالله أن ابنك الصغير هذا هو أعظم موسيقي رأيته في حياتي، بل إنه يا سيدي معجزة من المعجزات!

وفي كتابهما “حياة موزارت”، يقول الباحثان البريطانيان سيمون كيفي وجوناثان كروس إن الموسيقى الصغير أدهش الجميع بقدرته على التركيز وبقوة ذاكرته وبمواهبه الموسيقية التي لا تُضاهى، وظهرت عبقريته الموسيقية مبكرا بشكل أذهل معاصريه من عشاق الفن في أوروبا، حتى ذاع صيته في كل أنحاء النمسا وهو لم يزل طفلا صغيرا، باعتباره أحد أهم الموسيقيين في عصره، وأكثرهم موهبة وتفردا.

وأخذه والده معه إلى فيينا”، حيث البلاط الإمبراطوري. وعندما عزف على البيانو أمام جوزيف الثاني، إمبراطور النمسا، وحاشيته جُن جنونهم، وصاروا غير مصدقين أن هذا الطفل الصغير يستطيع العزف بهذه المهارة غير المسبوقة، فقد كان أمهر عازف بيانو في عصره على الإطلاق، وكان يستطيع أن يحفظ أي مقطوعة موسيقية بمجرد أن يسمعها مرة واحدة فقط، وكان الإمبراطور يُجلس موزارت على كرسي بجواره، وينادي عليه أمام الملأ “يا ساحري الصغير”!

وفي صباح اليوم التالي، لم يكن هناك من شغل شاغل للأمراء والأميرات والنبلاء والنبيلات، سوى الحديث عن تلك الأمسية الموسيقية، وعن ذلك الطفل العبقري الذي جلس على مقعد مرتفع، حتى يتمكن من الوصول إلى مفاتيح البيانو، ليعزف ألحاناً مرتجلة رائعة، خرجت من بين أصابعه الصغيرة، مفعمة بإحساس طفولي مرهف.

وكتبت إحدى الصحف: “إنه الأثير اللانهائي، إنه عالم الأرواح الهائمة في ضوء القمر، إنها مجموعة من العوالم الساحرة المسحورة، المتألقة بالنور المتشكل في 1000 لونٍ ولون، إنه تغريد الطيور في مملكة الأطياف الحالمة، السابحة في الضياء الباهر.. تلك هي موسيقى موزارت الصغير!”.

وكان موزارت موهوبا بالفطرة، غير أنه لم يكن يُحسن الكلام والتصرف في الأوساط الراقية، وهو ما تسبب له في مشكلات كثيرة أثارت غضب كبار رجال الدولة عليه.

ولذلك رحل الشاب إلى مدينة أوغسبورغ، ومن هناك إلى مانهايم، حيث وجد مجموعة من الموسيقيين الذين أصبحوا أصدقاءه، ولكنه هنا فشل في إيجاد عمل يليق به، ثم راح يؤلف الأوبرات لأحد المسارح الصغيرة في المدينة، وكان يتقاضى لقاء ذلك نسبة ضئيلة من أرباح شباك التذاكر.

وتزوج موزارت عام 1782 من فتاة تدعى كونستانس فيبر على الرغم من معارضة والده لهذا الزواج، فقد كانت الفتاة تنتمي إلى طبقة اجتماعية أقل منه، حسب مقاييس العصر، وكانت يتيمة الأب، وأمها تعمل خادمة في أحد قصور النبلاء، لكنه أصر على الزواج منها بعد قصة حب قصيرة، ولم يحضر والده أو أي من أقاربه حفل الزفاف، بل إن أسرة موزارت قاطعته لأعوم طويلة بسبب هذه الزيجة غير المتكافئة في نظرهم.

وبعد زواجه، وبسبب حاجته المادية، عاد موزارت مرة أخرى إلى البلاط الإمبراطوري، وفي عام 1782 طلب منه الإمبراطور أن يؤلف له أوبرا غنائية خاصة به، فألف أوبرا بعنوان “حادثة خطف في سرايا السلطان”، نالت إعجاب الكثيرين من رجال البلاط الذين راحوا يغفرون له أخطاءه الصغيرة تقديرا لموهبته الفذة.

وأظهر موزارت براعة غير عادية في كل أنواع التأليف الموسيقي تقريباً، فكتب 22 عملاً أوبراليا أشهرها “الناي السحري” و”زواج فيجارو”، فضلا عن 41 سيمفونية ومقطوعة موسيقية في زمن قياسي، واتسمت كثير من أعماله بالقوة والجدة والأصالة على الرغم من صغر سنه.

وبرع في كل أنواع التأليف الموسيقي تقريبًا ولاقى العديد من أعمال الأوبرا التي قام بتأليفها، والبالغ عددها 22 عملاً، قبولاً واسعًا بعد موته. ومازال يجد الاستحسان عند الجمهور في معظم أنحاء العالم.

كما كتب أكثر من 40 سيمفونية يُؤدَى الكثير منها حتى يومنا هذا، ويُعتبر بعضها في الأصل مقدمات لأعمال الأوبرا ويستغرق دقائق معدودة. أما السيمفونيات الأخيرة والأكثر شهرة فهي مؤلفات طويلة كاملة لأداء الأوركسترا وتستغرق إحداها 20 – 30 دقيقة. تتكون معظم هذه السيمفونيات من أربعة أجزاء.

واتسم الكثير من أعمال موزارت بالمرح والقوة. وعلى الرغم من المصاعب التي واجهته وخيبة الأمل التي أصيب بها. عُرف بظرفه وكان يميل للدعابة والتلاعب بالألفاظ.

وفي 28 مايو من عام 1787 مات والده فحزن عليه حزنا شديدا لأنه كان متعلقا به إلى أقصى الحدود وكان أستاذه ومعلمه الأول، وخصوصا أنه مات دون أن يبارك زواجه الذي أثمر طفلين، لم يراهما الأب أبدا بسب غضبه على ابنه وزوجته “كونستانس” التي كانت تبادل الأب الكراهية.

وعاني موزارت من مرض السل الذي لم يكن له علاج وقتها طيلة السنوات الأخيرة من حياته، وفقد عطف الإمبراطور بسبب الوشايات التي كان يفتريها عليه بعض رجال الحاشية بسبب حظوته لدى البلاط،  كان مدينا للآخرين بالمال باستمرار، ومُلاحقا من قبل دائنيه، وعلى  الرغم من أنه كان يعمل بجد، ويكسب الكثير من المال، إلا أنه كان ينفق أكثر مما يكسب، وعاش في أزمة مالية دائمة.

لغز الموت المبكر

في صباح الخامس من ديسمبر عام 1791م، توفي موزارت عن خمسة وثلاثين عاما. وبعد وفاته بأيام، نشرت إحدى صحف “برلين” تحقيقا يشير إلى أن جسد الموسيقي كان متورما بعد موته، الأمر الذي يوحي باحتمال موته مسموما، غير أن هذه الفرضية لم تتأكد أبدا، خصوصا أنه دُفن في مقبرة غير معروفة، فلم يتسن استخراج جثمانه للتأكد من صحة هذه النظرية.

وجرت مراسم الدفن في صباح يوم بارد، وشيّعه عدد قليل المشيعين لم يتجاوز 5 أشخاص عند مدخل المقبرة بعد أن ألقوا على الميّت تحيّة الوداع، ثم اُخذ الجثمان إلى مثواه الأخير بصحبة مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين كانوا يرتدون ملابس الحداد السوداء، وكان هؤلاء هم من بقوا مع الجثمان حتى النهاية.

وذكر عدد من معاصريه فيما بعد أن الالتهاب في حلق موزارت كان شديدا، بحيث أنه لم يكن يستطيع تحريك رأسه حتى في السرير لكنه لم  يغب عن الوعي، ولم يفقد ذهنه الصافي أبدا .

وأظهر فيلم “أماديوس” الذي عُرض عام 1984، ونال 8 جوائز أوسكار، أن أنطونيو سالييري موسيقار البلاط الإمبراطوري الذي كان يضمر الحسد لـ”موزارت” وراء موته، وقد فعل ذلك من خلال تكليفه بتأليف لحن جنائزي، ثم حدّد له موعدا مستحيلا لإنجازه. والنتيجة أن موزارت التعيس الذي يعاني من الديون باستمرار، انهار تحت وطأة الإجهاد والضغوط الكبيرة.

وفي عام 1823، أي بعد وفاة موزارت بحولي اثنين وثلاثين عاما، قيل إن سالييري حاول الانتحار بقطع شرايين يد، وقد انتشرت وقتها شائعة تقول إنه فعل ذلك تحت وطأة إحساسه بالذنب جراء قتله موزارت من خلال دس السم له.

والنظرية السائدة هي أن موزارت كان مصابا بمرض مزمن وخطير في الكلى، ولكن ظهر عام 2010 تفسير جديد للمرض الذي أصيب به موزارت في أواخر أيامه، بناء على دراسة أجراها فريق بحثي في جامعة “أمستردام” الهولندية، فقد تفشى مرض “التهاب البلعوم” بشكل وبائي في مدينة “فيينا” حيث كان يعيش الموسيقار الكبير عام 1791 وأدى إلى وفاة الكثيرين طبقاً للسجلات الرسمية للمدينة، وتتطابق أعراض هذا المرض مع الأعراض التي عانى منها موزارت قبل وفاته، لذا فمن المرجح أن يكون هذا هو المرض الذي تغلب عليه في النهاية. فقد عاني موزارت حسب أقوال معاصريه من التهاب وحمى تبعهما تورم شديد في منطقة الحلق، وتلا ذلك تشنجات وطفح جلدي، وكل هذه الأعراض تنطبق على مرض التهاب البلعوم الذي يمكن أن يؤدي في النهاية إلى التهاب شديد في الكلى، ثم الوفاة.