الثلاثاء , يوليو 16 2019
الرئيسية / حلول مبتكرة / جيفارا.. الطبيب الذي أصبح “أيقونة الشباب” حول العالم
جيفارا.. الطبيب الذي أصبح "أيقونة الشباب" حول العالم
جيفارا.. الطبيب الذي أصبح "أيقونة الشباب" حول العالم

جيفارا.. الطبيب الذي أصبح “أيقونة الشباب” حول العالم


 

  • شارك في حملة مسلحة لغزو كوبا عاني خلالها الجوع والعطش حتى أنه كان يتناول “سراطين البحر” حية
  • قاتل 1500 جندي بوليفي بـ16 مسلحا فقط ماتوا جميعاً.. وأُعدم هو رمياً بالرصاص
  • هتف في آخر معاركه المسلحة: لا تطلقوا النار أنا تشي غيفارا.. وأساوى حياً أكثر من كوني ميتاً!
  • صورته تزين “البيزو” الكوبي ويهتف طلاب المدارس هناك يومياً في طابور الصباح: “سنكون مثل تشي”
  • كاسترو: غيفارا ذكي وجرئ وزعيم مثالي.. غير أنه يقوم بالكثير من المخاطرات ولديه ميل إلى “التهور”
  • مانديلا: مازال مصدر إلهام لكل إنسان يحب الحرية.. وغرين: كان يمثل الشهامة والفروسية والمغامرة

 

أرنستو- تشي غيفارا، طبيب الأسنان الأرجنتيني الذي أصبح “أيقونة الشباب” حول العالم، هو الرجل الذي كان أحد مشاهير عصره، والذي تحدث على منصة الأمم المتحدة فأبهر العالم، ثم أُعدم رمياً بالرصاص، ودُفن في قبر مجهول.

وبعد مرور نحو نصف قرن على رحيله، لا تزال شخصية غيفارا تنال كل مظاهر التبجيل والاحترام، رغم انهيار منظومة الأفكار الاشتراكية حول العالم، حيث تستقطب شخصيته الفذة كرجل “وهب نفسه للثورة ضد الظلم” المخيلة الجماعية، ليصبح بطلا للعديد من السير الذاتية والمذكرات والمقالات والأفلام الوثائقية والأغاني والأفلام، بل إن مجلة “تايم” صنفته ضمن “المئة شخصية الأكثر تأثيرا في القرن العشرين”.

ومازالت صورته الشهيرة المسماة “غيريليرو هيروويكو” بالإسبانية، أي “بطل حرب العصابات” الصورة الأكثر شهرة في العالم منذ عشرات السنين.

ولد أرنستو- تشي غيفارا دو لا سيرنا، وهذا اسمه كاملا، يوم 14 يونيو 1928 في بلدة “روساريو” بالأرجنتين، وكان الابن الأكبر بين خمسة أطفال لعائلة متوسطة الحال تتحدر من أصول أيرلندية- إسبانية، هاجرت إلى كوبا، ومنها إلى الأرجنتين، ولذلك يتنازع البلدان حتى هذه اللحظة على انتماء غيفارا، ويدعي كل منهما أنه مواطنه، وإن كان الرجل قد سجل في مذكراته أنه “مواطن لاتيني عالمي”.

التحق “أرنستو- تشي” بمدارس بلدته، ثم بكلية طب الأسنان جامعة “بوينس آيرس” عام 1948، وشُغف مبكرا بالقراءة، حيث كانت ميوله في البداية أدبية محضة، وعُنى كقارئ أول الأمر بأدباء أمريكا اللاتينية، وخصوصا الروائيون المشاهير ذوو الميول الواقعية الاجتماعية، كما اهتم أيضا بالفلسفة وعلم النفس، وطالع أفكار أرسطو وكتابات برتراند راسل ونيتشه وسيغموند فرويد وسواهم.

زيارة لـ”مستعمرة الجذام”

سافر غيفارا عندما كان طالب طب في رحلة إلى جميع أنحاء القارة اللاتينية مع صديقه ألبيرتو غرانادو على متن دراجة نارية، وسجل هذه الرحلة التي تركت في نفسه آثارا لا تُمحى، في كتاب تحت عنوان “رحلة شاب على دراجة نارية”. وصنعت تلك الرحلة شخصيته وإحساسه بوحدة أمريكا الجنوبية، وبالظلم الكبير الواقع على الفلاح اللاتيني البسيط من قبل الشركات الزراعية الكبرى التي كان معظمها أمريكياً.

كان الهدف النهائي من الرحلة يتمثل في قضاء بضعة أسابيع من العمل التطوعي في مستعمرة “سان بابلو” لمرضى الجذام على ضفاف نهر الأمازون في بيرو، عبر جبال الأنديز. وشعر غيفارا خلال هذه الرحلة بالذهول لشدة فقر المناطق الريفية النائية، حيث يعمل الفلاحون في قطع صغيرة من الأراضي المملوكة من قبل الملاك الأثرياء.

وخلال رحلته، أبدى غيفارا إعجابه بالصداقة الحميمية بين أولئك الذين يعيشون في مستعمرات الجذام، قائلا إنه “أعلى أشكال التضامن البشري والولاء الذي ينشأ بين الناس في ظل الوحدة واليأس”.

واستنتج غيفارا، خلال أسفاره في أنحاء أمريكا اللاتينية، وجود “اتصال وثيق بين الفقر والجوع والمرض” حسب تعبيره، وأوصلته هذه التجارب إلى نتيجة مؤداها أنه من أجل مساعدة هؤلاء الناس يحتاج إلى ترك مجال الطب، والاتجاه إلى العمل في الساحة السياسية بحثا عن الكفاح المسلح.

وعن هذه المرحلة من حياته قال غيفارا: “لقد زرت لحد ما، كل بلاد أمريكا اللاتينية، ما عدا هايتي وسانتو دومينجو. وكانت الظروف التي أحاطت بترحالي، في المرة الأولى كطالب، وفيما بعد كطبيب، سببا في تعرفي عن قرب بالفقر، والجوع، والمرض؛ بالعجز عن علاج طفل بسبب الحاجة إلى المال؛ بظلام العقول الذي يخلقه الحرمان المستمر والمعاملة القاسية، لتلك الدرجة التي يستطيع الأب فيها أن يقبل موت احد أبنائه كأمر عادي غير مهم، كما يحدث غالبا في الطبقات السفلى في أمريكا موطننا الأم. بدأت وقتها إدراك أن هناك أشياء كانت في الأهمية بالنسبة لي مساوية لأن أصبح عالما مشهورا أو مساوية لتقديمي مساهمة كبيرة في العلوم الطبية: أدركت أنني ارغب في مساعدة هؤلاء الناس”.

وفي نهاية هذه الرحلة، وصل غيفارا إلى استنتاج بأن أمريكا اللاتينية ليست مجموعة من الدول المنفصلة، ولكنها كيان واحد يتطلب “استراتيجية تحرير” شاملة على نطاق القارة برمتها.

وبينما كان غيفارا يعيش ويعمل كطبيب أسنان في مدينة “مكسيكو سيتي” بالمكسيك، التقى هناك راؤول كاسترو، شقيق الزعيم الكوبي الأشهر فيدل كاسترو، والمنفي مع أصدقائه الذين كانوا يجهزون للثورة وينتظرون خروج “فيدل” الثائر الشاب وقتها من سجنه في كوبا. وما إن خرج هذا الأخير من المعتقل، حتى قرر غيفارا الانضمام للثورة الكوبية.

وفي تلك الفترة، رأى “كاسترو” أن الثوار المسلحين في أمسّ الحاجة إلى غيفارا كطبيب، فانضم لهم هذا فيما عُرف بـ”حركة 26 يوليو” التي جهزت عدتها العسكرية لغزو البلاد بنية الإطاحة بالديكتاتور الكوبى فولغينسيو باتيستا.

أهوال الجوع والعطش

سرعان ما برز غيفارا بين المسلحين، وتمت ترقيته إلى الرجل الثاني في القيادة، حيث لعب دورا محوريا في إنجاح الحملة العسكرية على مدار عامين من الحرب المسلحة ذاق خلالها المسلحون أهوال الجوع والعطش، إلى حد أنهم كانوا يتناولون سراطين البحر حية، وهي الحملة التي أطاحت في نهاية الأمر بنظام باتيستا من سدة الحكم.

وخلال حملة حرب العصابات هذه، كان غيفارا هو المسئول عن تنفيذ أحكام الإعدام على الفور بحق الرجال المتهمين بالتخابر أو الفارين أو الجواسيس في كثير من الأحيان. وعلى الرغم من أنه حافظ على هذا النظام القاسي والشديد، وكان شخصا دمويا في الغالب، إلا أنه كان يقوم بالترفيه عن رجاله أثناء فترات الراحة، بأن يقرأ عليهم أعمال روبرت لويس ستيفنسون وسرفانتس وبعضا من الشعر الغنائي الأسباني.

وعقب نجاح الثورة الكوبية، أدى غيفارا عددا من الأدوار الرئيسية ضمن الحكومة الجديدة للبلاد، وشمل هذا إعادة النظر في أحكام الإعدام على المدانين بجرائم حرب خلال الثورة المسلحة، كما أسهم الرجل في وضع أسس قوانين الإصلاح الزراعي عندما كان وزيرا للصناعة، وجاب العالم كدبلوماسي باسم “الاشتراكية الكوبية”.

وفي ديسمبر 1964 توجه غيفارا على رأس وفد كوبي إلى نيويورك ليتحدث أمام “الأمم المتحدة”، فأدهش العالم بزيه العسكري ولحيته النامية والسيجار الذي قطعه إلى نصفين وهو جالس على المنصة، ليحتفظ بنصف ويدخن الآخر، ثم يهاجم الولايات المتحدة بقوة وهو على أرضها، فكان خطابه هذه حديث الناس سكان الكرة الأرضية.

وبعدها قام بجولة عالمية استمرت ثلاثة أشهر، زار خلالها كل الصين ومصر والجزائر وغانا وغينيا ومالي والكونغو وتنزانيا، والتقى خلال هذه الجولة عددا من زعماء العالم وقتها، ومنهم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان منم أشد المعجبين به، ومنحه وساما مصريا رفيع المستوى أثناء وجوده في القاهرة.

وفي العام التالي، 1965، غادر غيفارا كوبا من أجل التحريض على اندلاع عدد من الثورات ضد الظلم في كل أنحاء العالم، بما في ذلك أفريقيا، ومنها الثورة الأولى الفاشلة في الكونغو كينشاسا، ومن ثم تلتها محاولة أخرى في بوليفيا بطريقة “حرب العصابات”.

الإعدام رمياً بالرصاص

بعد فترة قصيرة، توصلت القوات البوليفية الحكومية إلى موقع غيفارا وفرقته في المعسكر المقام بوادي يسمى “جورو”، وقامت القوات بمحاصرة المنطقة، ووقعت اشتباكات دامية بين الطرفين.

وفي أحد وديان بوليفيا الضيقة هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 جندي مجموعة غيفارا التي لا يتجاوز عددها 16 مسلحا فقط، وخسر الثوار مواقعهم الحصينة ونفدت منهم الذخائر، فماتوا جميعا خلال الاشتباكات، واستمر غيفارا يقاتل بمفرده وحيدا بعد موت كل أفراد المجموعة، فأصيب إصابات خطيرة. وعندما أصبحت بندقيته عديمة الفائدة هتف “لا تطلقوا النار! أنا تشي غيفارا، وأساوى حيا أكثر من كوني ميتا”.

وتم تقييد غيفارا بالحبال، خوفا من هروبه رغم إصابته البالغة، واقتيد إلى مبنى مدرسة متهالك في احدى القرى المجاورة. وبعد يوم ونصف من التحقيقات، رفض الثائر الأممي أن يتم استجوابه من قبل ضباط بوليفيين، وتكلم بصعوبة إلى بعض الجنود فقط، ووصف واحد من هؤلاء حالة غيفارا، فيما بعد، بأنها كانت “مروعة”.

وفي صباح 9 أكتوبر 1967، أمر الرئيس البوليفي آنذاك رينيه باريينتوس بإعدام غيفارا رميا بالرصاص، وكان الجلاد يدعى ماريو تيران، وهو رقيب في الجيش كان قد طلب إطلاق النار على تشي استنادا إلى حقيقة أن ثلاثة من أصدقائه قتلوا في وقت سابق من قبل عصابة غيفارا المسلحة خلال الاشتباكات.

وقبل لحظات من إعدامه، سُئل عما إذا كان يفكر في الخلود، فأجاب: “لا أنا لا أفكر في نفسي، بل في خلود الثورة”.

وبعد إعدامه، تم بتر يديه وإرسالها إلى الأرجنتين لمقارنة البصمات الموجودة لدى الشرطة ببصامته، لم يزل المكان الذي دفن به جيفارا مجهولاً حتى الآن، بالرغم من الأقاويل الكثيرة التي تزعم أنها على علم بالمكان الحقيقي.

الرومانسي الدموي

رغم مرور 50 عاما على إعدامه، لايزال غيفارا محل خلاف، خصوصا أن هناك نقاطا متناقضة في حياته، خلقت الطابع المعقد لمسيرته الحافلة، ومن ذلك مرواحته بين “الرومانسية الثورية” والعنف المسلح، فضلا عن كونه دمويا في بعض الأحيان، غير أنه تحوّل إلى رمز مثالي للحركات الثورية على مستوى العالم.

كما لا يزال غيفارا البطل الوطني المحبب للكثيرين في كوبا، مازالت صورته تزين العملة الكوبية “البيزو”، ويتعهد طلاب المدارس هاتفين كل يوم في طابور الصباح: “سنكون مثل تشي”.

وعلى العكس من ذلك تماما، ينفي جيمس ماكوفر، أحد كُتاب سيرته الذاتية، كونه بطلا، ويصوره على أنه “الجلاد الذي لا يرحم”. ويؤكد المعارضون له بأن في كثير من أنحاء أميركا اللاتينية، بأن الثورات المستوحاة من غيفارا كانت نتيجة عملية لتعزيز النزعة العسكرية الوحشية والصراع الداخلي لسنوات عديدة.

ووصف كاسترو صديقه غيفارا بأنه “ذكي وجرئ وزعيم مثالي كان له سلطة معنوية كبيرة على قواته، غير أنه يقوم بالكثير من المخاطرات حتى أن لديه ميلا نحو التهور”.

وقال عنه نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي الراحل، إنه “كان مصدر إلهام لكل إنسان يحب الحرية”، فيما حين وصفه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بأنه “ليس مثقفا فقط، ولكنه أيضا أكمل إنسان في عصرنا”. أما الأديب البريطاني الشهير الكاتب غراهام غرين فقد وصفه بأنه “يمثل فكرة الشهامة والفروسية والمغامرة”.

 

 


شاهد أيضاً

الجراح المصري "أحمد سامح العشرة" يفوز بجائزة أفضل محاضرة في المؤتمر الدولي لجراحة الأوعية الدموية بلندن

الجراح المصري “أحمد سامح العشرة” يفوز بجائزة أفضل محاضرة في المؤتمر الدولي لجراحة الأوعية الدموية بلندن

فاز الدكتور أحمد سامح العشرة، المدرس المساعد بقسم جراحة الأوعية الدموية والقسطرة التداخلية بكلية الطب …