الإثنين , يونيو 17 2019
الرئيسية / عباقرة / زين الدين زيدان.. مايسترو الملاعب صاحب “النطحة الفلسفية”!
زين الدين زيدان.. مايسترو الملاعب صاحب "النطحة الفلسفية"!
زين الدين زيدان.. مايسترو الملاعب صاحب "النطحة الفلسفية"!

زين الدين زيدان.. مايسترو الملاعب صاحب “النطحة الفلسفية”!


 

  • عانى من الحرمان في طفولته المبكرة.. وقال يوما: لقد كنت “أحارب الفقر” للوصول إلى القمة
  • والد زيدان “أمين المستودع” اضطُر أن يعمل أوقاتا إضافية لكي يشتري له أول “حذاء رياضي”
  • “إسماعيل” و”مليكة” والدا زيدان مازالا يحتفظان بجنسيتهما اعتزازا بأصولهما العربية
  • أكاديمي فرنسي: “نطحة” رأس زيدان كانت بادرة مجنونة أداها صاحبها ببراعة مهندس لامع!
  • أدبية تشبّه “النطحة الزيدانية” بصورة الخطوات الأولى لرائد الفضاء “أرمسترونغ” على سطح القمر

 

لم تشهد ملاعب كرة القدم العالمية، على مدار تاريخها، لاعبا مهاريا ومثيرا للجدل في نفس الوقت، مثل زين الدين زيدان، نجم المنتخب الفرنسي السابق، ومدرب الفريق الاحتياطي لنادي “ريال مدريد” حاليا، والمرشح لتدريب الفريق الأول، أحد أمهر وأغلى لاعبي العالم في زمانه، أو “مايسترو الملاعب” و”زيزو” و”دينامو خط الوسط”.. إلى آخر الألقاب التي أطلقت عليه جماهير الساحرة المستديرة.

كان زيدان اللاعب الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الكرة العالمية، “صانع ألعاب” من طراز نادر وفريد، يستطيع بمهارة فائقة أن يقلب خسارة فريقه في أي وقت إلى انتصار، بفضل تألقه ونجاحاته المستمرة على الملاعب الأوربية والتي أهلته وفقًا ليكون ضمن أعظم مدربي العالم لأن يكون أفضل لاعب في العالم مرتين في عامي 1998 و2000.

وُلد زين الدين إسماعيل يزيد زيدان في 23 يونيو “حزيران” عام 1972 بمدينة مرسيليا الفرنسية لأسرة فقيرة من أصل جزائري، هاجرت إلى فرنسا من منطقة القبائل الجزائرية لتستقر في المدينة الساحلية. وكان والد زيدان “إسماعيل” يعمل أمين مستودع، أما والدته “مليكة” فكانت ربة منزل، والاثنان مازالا يحتفظان بجنسيتهما الأصلية حتى الآن اعتزازا بأصولهما العربية، على الرغم من الشهرة العالمية التي حققها نجلهما، ولعبه فيما بعد في صفوف المنتخب الوطني الفرنسي.

محارب ضد “الفقر”

كان “زين الدين” أصغر أشقائه الخمسة، وهم 4 ذكور وفتاة. وقد بدأ مشواره الحافل مع كرة القدم في سن الخامسة، حيث كان يلعب مع أطفال الحي على ملعب صغير من “الترتان” في الساحة الرئيسية للمجمع السكني الذي تعيش فيه الأسرة، وعانى بشدة من الحرمان في طفولته المبكرة، وقال يوما: لقد كنت “أحارب الفقر” من أجل الوصول إلى القمة.

ويُحكى أنه من أجل حصول “زيدان” على أول حذاء رياضي في حياته، اضطُر والده أن يعمل أوقاتا إضافية لكي يوفر لنجله هذا الحذاء، وهو ما يتذكره زيدان بعرفان حتى هذه اللحظة، مؤكدا أن شغف والديه به باعتباره أصغر أفراد الأسرة كان له بالغ الأثر في منحه الثقة بالنفس طوال حياته.

وفي عام 1988، انضم الشاب “زين” إلى ناشئي نادي مدينة “كان” الشهيرة بالمهرجان السينمائي الدولي الذي يحمل اسمها، وكانت هذه هي البداية الحقيقية لمسيرته الكروية الاحترافية. ولعب مع النادي أول مباراة له أمام نادي “مرسيليا” القوي آنذاك، وكان والده “إسماعيل” لم يحضر المباراة، وذهب للعمل بدلا من ذلك، خوفا من تعرض نجله لأي إصابة في المستطيل الأخضر، لكن بعد ذلك وصل أحد أصدقاء الأب إلى العمل ليخبره بأن ابنه المدلل قد تألق في مباراة مرسيليا، فبكت والدته عندما أخبرها زوجها بهذه الأخبار السارة، وبتألق ابنها أمام مرسيليا العريق.

ولعب زيدان مع “كان” حتى عام 1992، وبعدها انتقل إلى نادي “بوردو” الفرنسي، وفاز مع الفريق بكأس إنترتوتو في عام 1995، وحصل اللاعبون على المركز الثاني في كأس الاتحاد الأوروبي لموسم 1999.

وتألق زيدان بشكل ملفت طوال السنوات التي قضاها مع نادي “كان” وأعطى كل ما في جعبته لهذا النادي، ما دفع مدرب فرنسا في تلك السنة إلى استدعائه في أسرع وقت للمشاركة في مباراة المنتخب الفرنسي مع تشيكوسلوفاكيا في 17 أغسطس “آب” 1989م ليخوض أول لقاء دولي مع منتخب بلاده انتهى بالتعادل (2-2) وكانت فرنسا خاسرة 2 مقابل لا شئ، ونجح زيدان في صنع هدفي التعادل.

لفت نجاح زيدان أنظار نادٍ كبير في فرنسا هو نادي “بوردو”، وأصر مدرب النادي على جلب هذا الشاب المتألق ليساعد “بوردو” في الحصول على الدوري الفرنسي، وانتقل الشاب إلى النادي، ولعب له 4 مواسم.

صدمة “يوفنتوس”

انتقل زيدان بعد ذلك إلى نادي “يوفنتوس”، فصُدم من الأسلوب والتكتيكات الصعبة التي تلعب بها الفرق الإيطالية، والتي لم يكن قد تعلمها بعد، ولم يتمكن من مجاراة زملائه من اللاعبين في البداية وكان يرغب في الرحيل عن الفريق إلا أنه تمكّن بعزيمته التي اشتهر بها من النجاح في نهاية المطاف مع النادي الإيطالي الكبير بل كان أحد أفضل اللاعبين في النادي، وقد فاز مع “يوفنتوس” بالدوري المحلي مرتين، ووصل إلى نهائي بطولة دوري أبطال أوروبا مرتين متتاليين.

وتزوج وقتها من فتاة فرنسية ذات أصول أسبانية تدعى فيرونيكا فرنانديز، وأنجب منها طفلين، أطلق على الأول منهما اسم “إنزو” تيمننا بلاعبه المفضل الأوروغواني إنزو فرانشسيسكولي وأسمى الثاني اسم “لوكا”.

وكان 2001 هو عام الحدث الأعظم في حياة اللاعب المحترف، وفيه انتقل إلى “ريال مدريد” العريق نادي القرن الأوربي، وصاحب الرصيد الوافر من البطولات واللاعبين نظير مبلغ فلكي يقدر بنحو 64 مليون دولار أمريكي، وبراتب سنوي يتعدى 16 مليون دولار، وصار بذلك أغلى لاعب ورياضي على مستوى العالم وقتها.

وعندما سُئل زيدان عن سبب تركه لنادي “يوفنتوس” أجاب: زوجتي من أصل أسباني وتريد العيش في أسبانيا، واللعب في الدوري الإيطالي متعب، وفي الأسباني ممتع، لهذا فضلت “ريال مدريد”، لأبرز مواهبي بشكل أفضل.

ولهذه الأسباب لم يبدع زيدان مع ناد من قبل كما أبدع مع “ريال مدريد”، وما هي إلا أشهر حتى أثبت براعته ومهاراته الكروية النادرة فكان في أوج تألقه، وحقق النادي العديد من الألقاب بفضله ومن أهمها “لقب دوري أبطال أوروبا”.

وسجل أحد أغلى أهداف حياته وأجملها وهو الهدف التاريخي في مرمى “باير ليفركوزن”، وبعدها اقتحم زيدان قلوب جماهير “ريال مدريد” وأصبحت الجماهير لا تتخيل أن يلعب النادي بدونه.

ومن أكبر إنجازاته، إحرازه لقب “أفضل لاعب أوروبي” ثلاث مرات في أعوام 1998 و2000 و2003، والفوز بجائزة “أفضل لاعب في العالم” عام 2000، كما حصل مع المنتخب الفرنسي على “كأس العالم” عام 1998، و”كأس أوروبا” عام 2000.

وفاز مع “ريال مدريد” بلقب “الدوري الإسباني” و”دوري أبطال أوروبا” و”كأس السوبر” الأوروبية و”كأس العالم للأندية” لمرة واحدة.

لكن نكسة زيدان كانت في كأس العالم علم 2002 حيث لم يلعب زيدان أول مباراتين له مع المنتخب، فخسر منتخب بلاده أمام السنغال (1-0) وتعادلوا\\ (0-0) مع المنتخب الأوروغواني، فلم يعد بإمكان فرنسا إلا الفوز في المباراة الأخيرة ضد الدانمرك لكي تعزز من فرص تأهلها للدور الثاني.

ولعب زيدان، وأضاع العديد من الفرص وحصل على جائزة أفضل لاعب في تلك المباراة، لكن القدر شاء أن تفوز الدانمارك (2-0) ليخرج الفرنسيون من الدور الأول مفجرين أكبر مفاجآت البطولة على الإطلاق.

وبعد هذه المباراة التي اعتبرها النقاد الرياضيون بمثابة “كبوة الحصان الجامح” أكمل زيدان انتصاراته مع “الريال”، في نفس العام وحقق معه كأس السوبر الأوربي والكأس القارية ليستعيد نغمة الانتصارات من جديد حتى عام 2066، آخر عام كروي في حياة اللاعب الشهير.

سر “النطحة”

ومازال هواة كرة القدم يتذكرون ما حدث في الدقيقة 110 في الشوط الثاني الإضافي، من زمن المباراة النهائية في كأس العالم 2006 بين منتخبي فرنسا وإيطاليا، حين بدأت المشادة حينما شد المدافع الإيطالي ماركو ماتيراتزي قميص زيدان، وقد تبادل اللاعبان بعض الكلمات الجارحة والشتائم البذيئة، فتراجع زيدان وسدد ضربة برأسه “نطحة” قوية إلى صدر ماتيرازي أوقعته أرضا، ولكن الحكم هوراسيو أليزوندو لم ير الواقعة، فأخبره الحكم الرابع لويس ميدينا كونتاليخو بالحادثة، فأشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجه زيدان الذي خرج من أرض الملعب مطرودا أمام أعين مئات الملايين من المشاهدين حول العالم!

وكشفت زوجة زيدان فيرونيكا فرنانديز في كتابها «زيدان.. حياة سرية» عن حدوث شجار وقع بينها وبين زوجها قبل يوم من مباراة نهائي كأس العالم لكرة القدم 2006 في عاصمة ألمانيا برلين، والذي جمع المنتخب الفرنسي بنظيره الإيطالي، ما جعل النجم الفرنسي يدخل المباراة في حالة نفسية سيئة جداً أثرت سلباً على أدائه ودفعته إلى الاشتباك مع مدافع إيطاليا.

وحظيت “نطحة” زيدان باهتمام فلسفي وأدبي وفني، ففي كتابه بعنوان “في مديح المآثر السيئة”، قال الأكاديمي الفرنسي أوليفيه بوريول أستاذ الفلسفة إن “نطحة رأس زيدان ليست حركة غير متعمدة أفلتت من صاحبها في لحظة غضب، بل هي بادرة مجنونة أداها صاحبها ببراعة مهندس لامع، ذلك أن زيدان لم يوجه النطحة إلى رأس ماتيرازي، بل إلى قلبه، بؤرة الشجاعة والغضب. وهي ضربة من الرأس الذي تعتمل فيه حسابات باردة وعقلانية إلى الصدر العامر برغبات متنازعة ومشبوبة”.

وفي كتابها “الدقيقة 107″، الصادر عام 2007، شبّهت المؤلفة آن ديلبي ملعب كرة القدم بـ”مسرح جديد يعرف كيف يلهب مشاعر الجموع الهائلة. هذا هو الدور الذي كان المسرح يؤديه تحديداً عند اليونانيين القدماء، كان وقت المباراة النظامي، 90 دقيقة، قد انتهى. ولم تكن هناك أية ضجة صادرة عن فرح أو عن يأس، وبحركة شبه آلية شغَّلت التلفزيون وكانت صورة زيدان وخلفه أحد لاعبي الفريق الخصم. من هنا، تبدأ المسرحية من اللحظة التراجيدية”، معتبرة أنه “في لحظة النطحة كأن زيدان يطير نحو فضاءات أخرى، لم يكن يلامس الأرض حقيقة، وكان حلم عندها بصورة أخرى، صورة خطوات أرمسترونغ الأولى على سطح القمر”!

وتذكر المؤلفة أنه عندما شتمه الخصم الإيطالي، تسمَّر زيدان في مكانه و”كأن الخصم قد طعنه بخنجر بين كتفيه». وقال زيدان عن خصمه: «لقد تفوّه بكلمات شديدة القسوة وكررها وقد أصابتني في صميمي”.

وبعد المباراة، قام الرئيس الفرنسي جاك شيراك بتكريم زيدان كبطل قومي، وقال شيراك إن الهجوم على زيدان “غير منطقي”، وأن فعلته مبررة، وأرسل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة رسالة مساندة إلى اللاعب، كما فتح الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” تحقيقا في الحادثة، وقال الإتحاد إن الطريقة التي طُرد بها زيدان كانت قانونية، وغرم “الفيفا” ماركو ماتيرازي 5000 فرنك سويسري مع إيقافه مباراتين دوليتين، وغرم زيدان 7500 فرنك سويسري وإيقاف لمدة ثلاثة مباريات دولية.

واستطاع زيدان بفضل موهبته الفذة ومهارته العالية أن يُكوِّن ثروة كبيرة خلال مشواره الكروي، خاصة أن انضمامه للنادي الملكي “الريال” ضمن له راتبًا شهريًا ضخمًا كلاعب ثم مدرب، واستثمر أمواله في مشاريع خاصة متعلقة بالتنمية والتطوير في بلده الأصلي الجزائر، فعمد إلى افتتاح مؤسسة استثمارية تحمل اسمه هناك، ليثبت بذلك حرصه على مد جسور التواصل مع وطنه واعتزازه بهويته العربية.