الثلاثاء , يوليو 16 2019
الرئيسية / عباقرة / أصحاب نوبل / مارتن لوثر كينغ.. الحياة ثمنا لـ”حلم الحرية”!
مارتن لوثر كينغ.. الحياة ثمنا لـ"حلم الحرية"!
مارتن لوثر كينغ.. الحياة ثمنا لـ"حلم الحرية"!

مارتن لوثر كينغ.. الحياة ثمنا لـ”حلم الحرية”!


 

  • كان يبكي وهو صبي حينما يعجز عن تفسير لماذا ينبذه أقرانه من ذوي البشرة البيضاء في المدرسة
  • حصل على دكتوراه الفلسفة من جامعة “بوسطن” وكان أول أمريكي أسود يحصل على هذه الدرجة العلمية
  • نادى بمقاومة سلمية تعتمد على مبدأ “اللاعنف” ضد التميز سيرا على خطى أستاذه الروحي “غاندي”
  • متطرفون من ذوي البشرة البيضاء “نسفوا” منزله مرتين بالقنابل والديناميت.. وكادوا يقتلون زوجته وابنه
  • الزعيم الأسود هو أصغر شخص في التاريخ يحصل على جائزة “نوبل” للسلام بسبب دعوته إلى “اللاعنف”
  • “كينغ”: أحلم أن يستطيع أبناء “العبيد” السابقين الجلوس مع أبناء “الأسياد” معاً على منضدة الإخاء

 

عندي حلم.. أنه في يوم ما على تلال “جورجيا” الحمراء، سيستطيع أبناء “العبيد” السابقين الجلوس مع أبناء “الأسياد” معاً على منضدة الإخاء.

كان هذا هو “حلم” مارتن لوثر كينغ، الزعيم الأمريكي من أصول أفريقية، الذي كافح التمييز العنصري ضد الزنوج في الولايات المتحدة إبان عقد الخمسينيات من القرن الماضي، حتى لقى مصرعه اغتيالا على يد متطرف أبيض، فدفع حياته نفسها ثمنا لـ”حلم الحرية”.

وُلد مارتن لوثر كينغ في 15 يناير “كانون الثاني” عام 1929، في مدينة “أتلانتا”، وعاش طفولته في المدينة التي كانت تعج بأبشع مظاهر التفرقة العنصرية بين ذوي البشرة البيضاء والملونين من أصول غير أوروبية، حيث كان المواطن الزنجي يُعامل كشخص من الدرجة الثانية، فلو كان – مثلا- جالسا في المواصلات العامة وجاء راكب أبيض صار لزاما على الأسود “وفق القانون” أن يترك مقعده طوعا للأبيض فورا، ويكمل المسافة وقوفا!

وكان البكاء يغلب على الصبي “مارتن” حينما يعجز عن تفسير لماذا ينبذه أقرانه البيض، ولماذا كانت الأمهات تمنعن أبناءهن من اللعب معه. ولكن الصبي بدأ يفهم الحياة، ويعرف سبب هذه التصرفات، ومع ذلك كان دائما يتذكر قول أمه “لا تدع هذا يؤثر عليك بل لا تدع هذا يجعلك تشعر أنك أقل من البيض فأنت لا تقل عن أي شخص آخر أبدا”.

على خُطى “غاندي”

التحق “مارتن” بالمدرسة الأولية في عام 1935، ومنها إلى مدرسة المعمل الخاص بجامعة “أتلانتا” ثم التحق بمدرسة “بوكر واشنطن”، وكان تفوقه على أقران من الطلاب سبباً لالتحاقه بالجامعة في آخر عام 1942، حيث درس في كلية “مورهاوس” التي ساعدت على توسيع مدارك الشاب لكي يتمكن من فهم طبيعة التفرقة العنصرية.

وحصل على درجة البكالوريوس في الآداب سنة 1948، ولم يكن عمره تجاوز 19 عاما، وحينها التقى بفتاة سمراء من بين جنسه الملونين تدعى “كوريتا سكوت”، وتم زفافهما عام 1953، وأنجب منها 4 أطفال، ومن ثم حصل الرجل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة “بوسطن”، وكان أول أمريكي أسود يحصل على هذه الدرجة العلمية.

شُغف “كينغ” في أثناء دراسته الجامعية بزعيم الهند الأشهر “المهاتما غاندي”، صاحب مبدأ “المقاومة بلا عنف”، حتى أنه زار الهند فيما بعد لكي يزور الأماكن التي عاش فيها غاندي، كما كان “كينغ” مولعا بقراءة  أعمال الأديب الأمريكي هنري ثورو الذي كان يؤمن بمبدأ “العصيان المدني”.

وفي سبتمبر “أيلول” 1954 قدم “كينغ” وزوجته إلى مدينة “مونتغمري” التي كانت ميدانا لنضاله ضد العنصرية، إلى أن جاء يوم الخميس الأول من ديسمبر “كانون الأول” 1955، حينما رفضت السيدة روزا باركس وهي امرأة سوداء أن تُخلي مقعدها لراكب أبيض، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها بتهمة مخالفة القانون.

وكانت هذه الحادثة بمثابة نقطة فارقة في نضال “كينغ” ضد التمييز، حيث تبني قضية السيدة روزا باركس في كل المحافل القانونية والإعلامية، واتخذ منها منطلقا للكفاح من أجل تغيير الوضع غير الإنساني للأمريكيين الزنوج المضطهدين الذين هبوا للوقوف وراء “كينغ” وحدثت مناوشات بينهم وبين الشرطة.

وصارت الأوضاع تنذر بانفجار أنهار من الدماء لولا أن “كينغ” اختار للمقاومة طريقا آخر غير الدم، فنادى بمقاومة تعتمد على مبدأ “اللاعنف” أو “المقاومة السلمية” سيرا على خطى أستاذه الروحي غاندي. وكانت حملة “مارتن” إيذاناً ببدء حقبة جديدة في حياة الأمريكيين من ذوي الأصول الأفريقية، حيث أطلق دعوة إلى هؤلاء بمقاطعة شركة الحافلات العامة استمرت عاما كاملاً وأثرت سلبا على إيرادات الشركة، حيث كان الأفارقة يمثلون 70% من الركاب.

ولم يكن هناك ما يدين “كينغ” قانونا، فما كان من السلطات إلا أن ترصدته لتوقيفه بأي اتهامات، فألقت القبض عليه بتهمة قيادة سيارته بسرعة 30 ميلاً في الساعة في منطقة أقصى سرعة فيها 25 ميلاً، وأُلقي به في زنزانة مع مجموعة من السكارى واللصوص والقتلة البيض.

وكان هذا أول اعتقال للرجل، وقد أثّر فيه بشكل بالغ العمق، حيث شاهد وعانى بنفسه من أوضاع غير إنسانية، إلى أن أُفرج عنه أخيرا بالضمان الشخصي.

“قنابل” وزهور

واستمرت معركة “الحافلات” طويلا، فبعد الإفراج عنه بأربعة أيام فقط وفي 30 يناير 1956م، كان “مارتن” يخطب في جمع غفير أنصاره حين ألقى متطرفون من ذوي البشرة البيضاء قنبلة على منزله، وكادت القنبلة أن تودي بحياة زوجته وأحد أطفاله، وحين وصل إلى منزله وجد جمعا غاضبا من الأفارقة المسلحين بالبنادق على استعداد للانتقام، وأصبحت مدينة “مونتغمري” على حافة الانفجار من الغضب.

ويومها، وقف “كينغ” يخاطب أنصاره: “دعوا الذعر جانبا، ولا تفعلوا شيئا يمليه عليكم شعور الذعر، إننا لا ندعو إلى العنف، بل نواجه القنابل بالزهور”.

وبعد أيام أُلقي القبض عليه مجددا ومعه مجموعة من القادة البارزين بتهمة الاشتراك في مؤامرة لإعاقة عمل شركة الحافلات العامة دون سبب قانوني بسبب المقاطعة، واستمر الاعتقال إلى أن قدمت 4 سيدات من ذوات الأصول الأفريقية طلبا إلى المحكمة الاتحادية لإلغاء التفرقة في الحافلات في مونتغمري، وأصدرت المحكمة حكمها التاريخي الذي ينص على “عدم قانونية هذه التفرقة العنصرية. وساعتها فقط طلب كينج من أتباعه أن ينهوا المقاطعة ويعودوا إلى استخدام الحافلات العامة، ومن ثم أُفرج عنه من السجن.

وفي يونيو 1957 استطاع كينغ الحصول على حق السود في الانتخاب، وضاعف جهوده بعد تولي الرئيس جون كيندي منصب الرئاسة، وكان كيندي مشهورا بتعاطفه مع الزنوج والملونين في أمريكا.

وكسب الزعيم الزنجي تأييد الرأي العام الدولي للنظر في قضية السود، كما عمل على خلق اتحاد مع زعماء الأمريكان الأفارقة ومنهم الزعيم المسلم مالكوم إكس لمواجهة عدوهم المشترك.

وبعد شهر من ذلك التاريخ، تعرض منزل “كينغ” للنسف باستخدام الديناميت على أيدي بعض المجرمين البيض، ما دفعة إلى تكوين “مؤتمر القيادة الجنوبي” لنشر الأسلوب الذي اتبعه زنوج “مونتغمري” إلى كل أنحاء الولايات الجنوبية. ولهذا سُجن “كينغ” للمرة الثالثة عام 1960م.

وفي عام 1963 نظم ناشطون في مجال الحقوق المدنية مؤيدون للزنوج، مسيرة لم يسبق لها مثيل اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفا من البيض واتجهت المسيرة الحاشدة صوب النصب التذكاري للرئيس الأمريكي الأشهر “أبراهام لينكولن” محرر العبيد، في واشنطن، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية بحثا مستقبل يتعايش فيه السود والبيض بحرية ومساواة.

وألقى “كينغ” في هذ الحشد الكبير من المؤيدين أروع خطبه على الإطلاق، وهي الخطبة الشهيرة التي سجلها التاريخ تحت اسم “عندي حلم”.

قال “كنغ” في هذه الخطبة: “قبل 100 عام، أعلن أحد الأمريكيين العظام ، والذي نقف الآن في أثر من آثاره، بيان التحرير. وكان ذلك القرار الخطير بمثابة شعلة تهتدي بها آمال الملايين من العبيد الزنوج، الذين أذبلت أعمارهم في لهيبِ الظلم المهلك، فجاء القرار بمثابة فجر ليُنهيَ ليل العبودية الطويل”.

وأضاف: “ولكن، وبعد مائة عام، يجب علينا أن نواجه الحقيقة المأساوية وهي أن الزنجيّ لا يزالُ مُعاقاً بقيود العزل العرقي، وأغلال العنصرية، ولا يزال يعيش على جزيرة فقر وحيدة في وسط محيطٍ فسيح من الرخاءِ الاقتصادي.  لقد أتينا إلى عاصمة دولتنا لنصرف (شيكاً)؛ فعندما كتب الذين أنشئوا جمهوريتنا كلماتٍ عن الدستور وإعلان الاستقلال، كانوا يوقّعون على صكٍّ أصبح كلُ أمريكي ينتظر أن يرثه. وكان ذلك الصكُ وعداً بأن للجميع ضمانا بحقوق لا تضيع، وحرية، وسعي حثيث نحو السعادة”.

وتابع “كينغ” في خطبته التارخية: “إنه لمن الواضح للعيان أن أمريكا اليوم خالفت بنود ذلك الصكّ كلما تعلّق الأمرُ بمواطنيها السود. فبدلاً من الوفاء بأحكام ذلك الالتزام، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً زائفاً، شيكاً كُتبَ عليه بعد محاولة صرفه (لا يوجد رصيد كاف)”!

صيف السخط القائظ

وحذر الزعيم الأمريكي في الخطبة التي سجلتها الأدبيات السياسية باعتبارها من أكثر الخطابات بلاغة في التاريخ، من أن “الأمر قد يصبح مُهلكا إن تغافلت الدولة عن إلحاح هذا الوقت، أو استخفت بعزيمة الرجل الأسود، فلن يمرّ صيف السخط القائظ هذا حتى يأتي خريفٌ ينعش في هذه البلاد الحرية والمساواة. وإن أولئك الذين يتمنون أنه لابد للرجل الأسود من أن يكبح غضبه، ويرضى بواقعه، سيواجهون يقظة عنيفة إذا ما عادت الدولة إلى عادتها كالسابق. ولن يكون هناك سكونٌ ولا راحة في أمريكا حتى يُمنح الرجل الأسود حقوق المواطن، وسوف تستمرُّ زوبعة الثورة في هز قواعد الدولة الأمريكية إلى أن يأتيَ يوم مشرق يبزغ فيه العدل.

“إخواني، أقول لكم اليوم بأنه رغم الصعوبات والإحباطات التي نمر بها ، إلا أنني ما زلتُ أحتفظ بحلمي، فلدي حلم بأنه في يوم من الأيام ستنهض دولتنا وتُحيي المعنى الحقيقي لعقيدتها لتكون بيّنة بأن الجميع خُلقوا متساوين. إن لدي حلم بأن أطفالي الأربعة سوف يعيشون يوما ما في دولة لا يُحكم عليهم فيها على أساس لون بشرتهم، وإنما شخصهم وأفعالهم فحسب”.

ويُعد اليوم الذي ألقي فيه هذا الخطاب من اللحظات الفاصلة في تاريخ حركة الحريات المدنية، كما يُعتبر هذا الخطاب واحداً من أكثر الخطب شهرة في تاريخ العالم الغربي، وتم اختياره كأهم خطبة أمريكية في القرن العشرين.

الموت في سبيل الحرية

بعد أن أنهى “كينغ” قراءة خطابه المعد مسبقاً، ارتجل خاتمته التي كانت تكررت فيها عبارة “عندي حلم”. وفي العام نفسه أطلقت مجلة “تايم” عليه لقب “رجل العام” فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل في عام 1964 على جائزة “نوبل” للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر شخص في التاريخ يفوز بهذه الجائزة، حيث كان عمره وقتها 35 عاما.

وعند مغيب شمس الرابع من نيسان إبريل عام 1968، كان “كينغ” كان يستعد للظهور أمام تجمع جماهيري في تلك الليلة ويتأهب لقيادة مسيرة في ممفيس لتأييد إضراب عمال الصرف الصحي الذي كاد يتفجر في عدد من المدن الأمريكية.

وفي تلك اللحظة صوّب رجل أبيض يدعى “جيمس إرل راي” بندقيته تجاه “كينغ”، ودوى صوت طلق ناري، فانفجرت حنجرته ثم سقط على الأرض مضرجا في دمائه.

وعلى الرغم من ذلك، استطاع مارتن لوثر كينغ أن يساهم في تغيير وجه الولايات المتحدة، فقد منح – بموته- حياة جديدة لملايين السود في أمريكا، حتى جاء اليوم الذي دخل فيه أمريكي من أصل أفريقي هو الرئيس الحالي باراك أوباما “البيت الأبيض”. ولولا كفاح “كينغ” ما كان ذلك أن يحدث أبدا.


شاهد أيضاً

البير كامو اليساري الحالم (1913- 1960)

  البير كامو اليساري الحالم (1913- 1960) البير كامو اليساري الحالم  .. روائي فرنسي من …