الإثنين , يوليو 15 2019
الرئيسية / حلول مبتكرة / جاسم الخرافي.. فيلسوف التفاؤل و”إطفائي” الحرائق السياسية!
جاسم الخرافي.. فيلسوف التفاؤل و"إطفائي" الحرائق السياسية!
جاسم الخرافي.. فيلسوف التفاؤل و"إطفائي" الحرائق السياسية!

جاسم الخرافي.. فيلسوف التفاؤل و”إطفائي” الحرائق السياسية!


حكيم “مجلس الأمة الكويتي” الراحل

 

  • درس في “كلية فيكتوريا” الثانوية بالإسكندرية التي تعلم فيها الملك حسين وعمر الشريف ويوسف شاهين
  • بعد عدة أشهر من الدراسة في الإسكندرية اضطرته ظروف “العدوان الثلاثي” على مصر عام 1956 للعودة إلى بلاده
  • الخرافي: كان والدي شخصية مميّزة.. وتعلمت من مدرسته في الحياة الصبر والبساطة والابتسامة
  • استطاع إدارة أزمة “سوق المناخ” الشهيرة في أسواق المال الكويتية.. وخرج منها بأقل الخسائر
  • كان حين يهوي بـ”مطرقته” على منصة مجلس الأمة تتحول القاعة الصاخبة بنقاشات النواب بردا وسلاما
  • فلسفته هي “التفاؤل” وكان يرى فيه سلاحاً للتعامل مع كل الأزمات التي خرج منها جميعا بنجاح

 

جاسم الخرافي، رئيس مجلس الأمة الكويتي الأسبق، والملياردير المعروف، الراحل، واحد من كبار رجالات العالم العربي في عصره، وُعرف في كل الأوساط بحكمته وتواضعه، كما عُرف بـ”فيلسوف التفاؤل” و”إطفائي” الحرائق السياسية!

ترأس الخرافي مجلس الأمة في بلاده على مدار 10 سنوات، بالانتخاب والتزكية معا، كان خلالها مثلا للرجل الموضوعي المتعقل، وكان حين يهوي بـ”مطرقته” على منصة المجلس تتحول القاعة الصاخبة بنقاشات النواب بردا وسلاما. كما استطاع الرجل حينما تولي حقيبة “الاقتصاد” في حكومة بلاده، إدارة أزمة “سوق المناخ” الشهيرة في أسواق المال الكويتية، وخرج منها بأقل الخسائر.

وُلد جاسم محمد عبد المحسن الخرافي، في حي “القبلة” عام 1940، وكان والده رجل أعمال ونائبا برلمانيا، وهو مؤسس “مجموعة الخرافي”. وتلقى “جاسم” تعليمه الأولي في “روضة المثنى” بالكويت، وفي مدينة “بومباي” الهندية، ثم التحق بـ”كلية فيكتوريا” بالإسكندرية في مصر، وهي مدرسة ثانوية مرموقة تخرج فيها عشرات المشاهير، ومنهم الملك حسين عاهل الأردن الراحل، والممثل العالمي عمر الشريف والمخرج يوسف شاهين، وغيرهم.

وفي أحد حواراته الصحافية، قال الخرافي عن طفولته وصباه المبكر: “لقد كان والدي رحمه الله شخصية مميّزة، تعلمت من مدرسته والكثير الكثير، تعلمت منه الصبر، والبساطة ، والابتسامة، والصدق، والرغبة الدائمة في العطاء، والحرص على روح الأخوة، والهيبة والوقار، والتواضع، وحب الأسرة والحرص على تماسكها. كما تعلمت منه الانتماء والتفاني في خدمة الوطن، فقد كان ركنا من أركان الاقتصاد الخاص، إلا أنه لم يتوان عن خدمة بلده في أي مجال. أما والدتنا رحمها الله فقد فقدناها ونحن صغار، ولكنني مازلت أحتفظ بصورتها في مخيلتي رغم مرور السنوات، فهي كانت أهم وأبرز عناصر تماسك الأسرة”.

العودة القسرية

وبعد عدة أشهر من الدراسة في “كلية فيكتوريا”، اضطرته ظروف “العدوان الثلاثي” على مصر عام 1956 للعودة إلى بلاده، حيث درس في “ثانوية الشويخ” بالعاصمة الكويتية، ثم سافر إلى لندن حيث استكمل تعليمه الجامعي في “كلية مانشستر” البريطانية، وحصل منها على  دبلومة في إدارة الأعمال.

وعن ذلك، قال الخرافي، في الحوار نفسه: “أعتقد أنني انتمي لجيل محظوظ عاش مرحلتي ما قبل النفط وبعده، فقد عاصرت التحولات السياسية الكبرى في الكويت وعالمنا العربي، فتفتح وجداني على المدّ السياسي القومي ونشأت في مناخ سياسي ينضح بالانتماء القومي العربي، وتعلمت من فترة ما قبل النفط كيفية الحفاظ على النعمة، كما علمتني فترة ما بعد النفط كيف أحمد الله على عظيم نعمائه وعظيم عطائه”.

وعاد الخرافي إلى الكويت بعد إنهاء دراسته الجامعية عام 1962، وتزامنت عودته مع بداية مرحلة من أهم مراحل تاريخ البلاد، شهدت ولادة الدستور الكويتي، وأول انتخابات نيابية تجرى بعد الاستقلال لاختيار 50 عضواً يمثلون الشعب في مجلس الأمة، وعمل في القطاع الخاص، وواصل نشاطه مع والده المؤسس في “مجموعة الخرافي”، وراقب عن كثب وقائع الانتخابات النيابية التي أجريت عام 1963.

وفي عام 1967، قاد “جاسم” الحملة الانتخابية لوالده محمد عبد المحسن الخرافي في انتخابات الفصل التشريعي الثاني بالدائرة الثانية في العاصمة، والتي فاز الأب فيها بأحد مقاعد الدائرة.

وأكسبت تجربة انتخابات عام 1967 الخرافي تمرسا في العمل السياسي، وبدأت منذ ذلك الوقت إسهاماته الشخصية في العمل الوطني، واستطاع من خلال هذه التجربة أن يصنع لنفسه قاعدة شعبية قوية نتيجة اتصالاته المستمرة مع المواطنين، ودعمه للقضايا العامة التي تهم الرأي العام.

ودفعه تمرسه السياسي المبكر إلى التفكير في خوض انتخابات الفصل التشريعي الرابع التي أجريت في أواخر يناير عام 1975، مدفوعاً برغبته في القيام بدوره الوطني تجاه الكويت، فترشح بالفعل في الدائرة الثانية بعد أخذ مشورة والده، وخاض هذه الانتخابات مستقلا وفاز فيها بجدارة، وكان الأصغر سناً بين النواب الخمسة الفائزين.

وعن هذه الفترة، قال الخرافي في الحوار المشار إليه: “قبل انتخابات عام 1975، كنت منذ عودتي من الدراسة أعمل في القطاع الخاص، وكانت الحملات الانتخابية الإعلامية في فترة السبعينات بسيطة، فالإعلام لم يكن يلعب دور كبير في ذلك الوقت في الدعاية الانتخابية، وكانت الدوائر صغيرة وكنا نحن المرشحين نعتمد على التواصل المباشر مع الناخبين واللقاءات في المقرات الانتخابية والدواوين. والحقيقة كانت المنافسة في البداية لا تخلو من الصعوبات، إلا أنني بفضل الله والحرص على استقلاليتي، تمكنت من الحصول على ثقة الناخبين”.

ومنذ اليوم الأول لعضويته في مجلس الأمة الكويتي، كان لدى الخرافي تصورات وأفكار لتفعيل عمل مجلس الأمة بما يمكنه من القيام بدوره الوطني على أكمل وجه، ودعا دائما إلى الحفاظ على هيبة المجلس واختصاصاته، كما دعا إلى الحوار الديمقراطي، والاحترام المتبادل، والنقد البناء، وممارسة العملية النيابية بالشكل الذي يعضدّ عُرى الوحدة الوطنية والتماسك بين الشعب الكويتي.

حكيم البرلمان

فاز الخرافي بعضوية مجلس الأمة الكويتي خلال الفصول التشريعية “الدورات الانتخابية” لأعوم 1975، 1981، 1985، 1996، 1999، 2003، 2006، 2008، 2009، واختير رئيسًا للمجلس بالانتخاب أو التزكية منذ عام 1999.

وعُرف طوال فترة عضويته في المجلس، ثم رئاسته له فيما بعد، بلقب “الإطفائي” نظراً لإتباعه سياسة التهدئة، وتمسكه بمبدأ العقلانية في التعامل مع القضايا الخلافية بين أعضاء المجلس من جهة، والحكومة والمجلس من جهة أخرى. وكان الرجل يتدخل بالنصيحة عندما تتأزم الأمور بين السلطتين بمبادرات شخصية منه أو بتفويض من زملائه النواب، كوسيط نزيه ومحل ثقة بين كل الأطراف.

وكان حين يهوي بمطرقته على منصّة الرئاسة تتحول قاعة المجلس الصاخبة بنقاشات النواب بردا وسلاما، وكأنه كان يصب – بحكمته الشهيرة- مياه التفاؤل على لهيب الاحتقان، وكان سلاحه هو ابتسامته التي لم يتخلّ عنها في أحلك الظروف، فقد كانت فلسفته هي “فلسفة التفاؤل” الذي يرى فيه سلاحاً للتعامل مع الأزمات التي خرج منها جميعا بنجاح.

أُسندت حقيبة وزارة المالية والاقتصاد لـ”الخرافي” خلال الفترة بين عامي 1985 و1990، إثر الأزمة الشهيرة التي وقعت في “سوق المناخ” للأوراق المالية الكويتي، بسبب عمليات المضاربة واسعة النطاق آنذاك، ليسهم قدر استطاعته في وقف الانهيار الاقتصادي الناتج عن هذه الأزمة في أسواق المال في البلاد، وقد سارع منذ البداية إلى مواجهة تلك المشكلة بشكل عقلاني تماما.

ومنذ اليوم الأول لتوليه منصب وزير المالية والاقتصاد، واجه الخرافي عدداً من التحديات، فقد كانت هناك تركة مثقلة خلفتّها أزمة “سوق المناخ”، وهناك حاجة ماسة إلى إصلاح الوزارة نفسها لكي تواكب الخطط الطموحة التي سيعمل على تنفيذها. وكان عليه في نفس الوقت أن يفصل بين مهمته كوزير ومسئول وبين عمله الخاص، فقد كان الرجل يدير مجموعة من “شركات الخرافي” التي قد تتقاطع مصالحها مع العديد من المؤسسات الحكومية. ولكنه، بحنكته وقدرته على الفصل بين العام والخاص، استطاع أن يتجاوز الكثير من هذه العقبات في فترة قياسية.

وخلال توليه رئاسة المجلس، حرص الخرافي على انتهاج أسلوب جديد في إدارة الجلسات، وفى القيادة، فقد التزم مبدأ الحياد بين جميع  النواب، وعمل على مد جسور الثقة مع مختلف الكتل والتيارات في المجلس، فضلا عن التحرك بشكل جماعي لمواجهة القضايا المطروحة. كما تميّز الرجل الصراحة والجرأة ونقد الذات أولا قبل انتقاد الآخرين، وبدأ في تنفيذ إجراءات إصلاحية تدريجية لتفعيل أداء المجلس، منها توسيع نطاق مهام نائب الرئيس، وتنشيط عمل مكتب المجلس وتفعيل مهامه، وتغيير انعقاد الجلسات من يوم واحد أسبوعيا إلى يومين كل أسبوعين ما قلل من حدة مشكلة غياب النصاب القانوني لانعقاد الجلسات، بالإضافة إلى إدخال الميكنة الإلكترونية في معظم النظم الإدارية والفنية في المجلس، وغيرها من الإنجازات التي ما زالت تُحسب له.

وكانت رؤية الخرافي للمستقبل تمتد من الماضي وتستند على الحاضر، وبرنامجه الانتخابي وموقفه من القضايا الوطنية المطروحة على الساحة الوطنية آنذاك يستندان على نفس المبادئ التي انطلقت منها مواقفه في الماضي. وترتكز هذه الرؤية على العدالة الاجتماعية، والمساواة، وسيادة القانون، والتكافؤ في الفرص بين المواطنين، وحرية الرأي والصحافة كمبادئ أساسية.

وأعلن الخرافي اعتزاله العمل السياسي بعد تحرير الكويت من الاحتلال العراقي عام 1991، ثم عاد ليعود ليشارك مرة أخرى في الانتخابات في عام 1996، ليصبح رئيسا لمجلس الأمة لأكثر من 10 سنوات، حيث فاز في كل الانتخابات التي تم إجراؤها بعد ذلك وتم اختياره في كل مرة رئيسا للمجلس ومنها عدة مرات بالتزكية، قبل أن يعتزل نهائيا العمل السياسي مع انتخابات 2012.

محطات الحياة

وحول أهم محطات حياته، قال الراحل الكبير: “عادة ما يستفيد الإنسان من كل مرحلة من مراحل عمره، ولذلك من الصعوبة أن أصف مرحلة بأنها الأهم، فقد استفدت من كل المراحل عن طريق تعزيز الإيجابيات وتلافي السلبيات، بداية من مرحلة الدراسة وبناء الشخصية الأكاديمية، ثم مرحلة العمل الحر والاستقلالية، ثم مرحلة تولي حقيبة وزارة المالية ومشكلة سوق المناخ واختيار آليات معالجتها، فمراحل حياتي دروس وخبرات تراكمت عبر سنين. ولم تتغيّر مبادئي يوما على مدار هذه السنين، ولكن تغيّر أسلوب العمل ومكانه، حسب مقتضيات المكان”.

وتقلّد الخرافي خلال مسيرته أرفع المناصب السياسية في بلاده، سواء التشريعية منها أو التنفيذية، كما حصل أعلى وسام في البلاد وهو “وسام الكويت ذو الوشاح” من الدرجة الممتازة في منتصف عام 2015، وكان يمتلك ثروة تُقدر بـ 1,25 مليار دولار أمريكي، خصص منها الكثير لإسهاماته الجليلة في مجال العمل الخيري، عربيا وعالميا.

وبعد رحلة حافلة بالعطاء، توفي الخرافي في 21 مايو عام 2015 إثر أزمة قلبية وهو على الطائرة أثناء عودته من تركيا إلى الكويت، عن عمر ناهز 75 عاما.

 


شاهد أيضاً

طفلة تخفى زجاجات نقل الدم فى لعبة teddy

طفلة تخفى زجاجات نقل الدم فى لعبة teddy

يرغب جميع الآباء والأمهات فى رؤية أطفالهم بصحة جيدة، ومع ذلك هناك أوقات لا مفر …