الثلاثاء , يوليو 16 2019
الرئيسية / عباقرة / أصحاب نوبل / ألبرت آينشتاين.. “أبو القنبلة الذرية” كان يعتبر نفسه فنانا!
ألبرت آينشتاين.. "أبو القنبلة الذرية" كان يعتبر نفسه فنانا!
ألبرت آينشتاين.. "أبو القنبلة الذرية" كان يعتبر نفسه فنانا!

ألبرت آينشتاين.. “أبو القنبلة الذرية” كان يعتبر نفسه فنانا!


 

 

  • كان يعاني صعوبة في الاستيعاب أثناء الطفولة.. وأطلقت عليه احدى فتيات العائلة لقب “الكاهن ثقيل الظل”
  • معلم آينشتاين لوالده: لا أهمية للمجال الذي ستختاره لابنك لأنه لن يفلح في أي مجال أبدا!
  • آينشتاين: البحث في سيرة أسلافي لا يقودني إلى شيء فقد كانوا مجرد باعة جائلين أقرب إلى “الغجر”
  • جرأة آينشتاين في شبابه التي وصلت أحيانا حد “الوقاحة” منعته من الحصول على عمل في سلك التدريس
  • عُرضت عليه رئاسة دولة إسرائيل لكنه رفض المنصب بشدة قائلا: “أنا رجل علم ولست رجل سياسة”
  • كتب إلى ملكة بلجيكا: أصبحت “مشاغبا” في “أمريكا” لأنني لم أستطع الصمت على ما يحدث من مظالم  

 

“الحياة مثل ركوب الدراجة، لكي تحافظ على اتزانك دائما لابد أن تستمر في الحركة”!

هذه “الحكمة البسيطة” كتبها عالم الرياضيات الأشهر ألبرت آينشتاين في خطاب إلى ابنه ذات يوم من عام 1930، غير أن حياة آينشتاين الأب، نفسه، كانت سيرة فريدة من نوعها بين مشاهير العالم. (1)

والغريب أن معاصري آينشتاين وصفوه في طفولته بـ”المتخلف الصغير”، وقال معلم آينشتاين لوالده في تقرير عن أحواله الدراسية: “لا أهمية للمجال الذي ستختاره لابنك لأنه لن يفلح في أي مجال أبدا”!

وُلد ألبرت هيرمان آينشتاين يوم 14 مارس عام 1879 في مدينة “أُولم” الألمانية من أبوين يهوديين، يتحدران من عائلة فقيرة كان معظم أفرادها يعملون كباعة متجولين في القرى والمدن، وقد قال الرجل فيما بعد لصديق له “إن البحث في سيرة أسلافي لا يقودني إلى أي شيء على الإطلاق، فقد كانوا مجرد باعة أقرب في حياتهم إلى الغجر”.   

“المتخلف” الصغير

أمضى آينشتاين سنوات صباه في مدينة “ميونخ”، حيث هاجر أبوه “هيرمان” ليعمل في بيع الريش المستخدم في صناعة الوسائد، فيما كانت أمه “ني بولين كوخ” تعمل في إدارة ورشة صغيرة لتصنيع الأدوات المنزلية. وتأخر آينشتاين الطفل في النطق حتى الثالثة من عمره، وكان يعاني من بطء شديد في الكلام، كما كان يعاني صعوبة في الاستيعاب، وربما كان مردُّ ذلك إلى خجله في طفولته، حتى أن الكثيرين ممن عرفوه طفلا لقبّوه بـ”المتخلف الصغير”، وأطلقت عليه احدى بنات العائلة لقب “الكاهن ثقيل الظل”!

وخشي والداه أن يكون بليدا أو متخلفا، ولكنه على الأرجح كان يميل إلى أحلام اليقظة، فلم يبد كبير اهتماما كبيرا بدروسه في المدرسة الكاثوليكية التي واظب عليها 5 سنوات لذلك لم يهتم به معلموه، حتى أن أحدهم قدم تقريرا لوالد آينشتاين يفيد بأنه “لا أهمية للمجال الذي ستختاره لابنك لأنه لن يفلح في أي مجال أبدا”! (2)

وكان آينشتاين يتعرض في طفولته لنوبات انفعالية عنيفة، وفي تلك اللحظات كان وجهه يصبح أصفر تماما، ويفقد السيطرة على نفسه، حتى أنه أمسك كرسيا وألقى به في وجه معلمه الخاص الذي هرب ولم يعد أبدا، وكانت شقيقة الصغرى “مايا” تتندر على ذلك قائلة “تحتاج أخت المفكر غالبا إلى جمجمة متينة”.

ورغم ذلك، أبدى آينشتاين في صباه شغفا كبيرا بدراسة علوم الطبيعة، ومقدرة على إدراك المفاهيم الرياضية الصعبة، ودرس بمفرده ودون معونة من أحد، مادة الهندسة الإقليدية، وهي فرع قديم ومعقد من فروع الهندسة.

ومن المعتقدات الشائعة عن آينشتاين أنه رسب في مادة الرياضيات عندما كان طالبًا، وهي رواية تزعمها أعداد كبيرة من الكتب وآلاف من المواقع على شبكة الإنترنت، ولكن الحقيقة طفولة الرجل تقدم للتاريخ كثيرًا من المفارقات الطريفة، لكن هذه ليست واحدة منها؛ ففي أحد حواراته الصحافية فيما بعد، قال العالم الشهير عندما سُئل عن ذلك ضاحكا: “لم أرسب في الرياضيات قط، وقد تعلمت التفاضل والتكامل قبل أن أبلغ الخامسة عشرة من عمري، بالجهد الذاتي”.

قوة الفضاء الغامضة

التحق آينشتاين بعد ذلك بمدرسة ثانوية كاثوليكية، رغم ديانته اليهودية، وتلقى دروسا في العزف على آلة الكمان. وفي الخامسة من عمره أعطاه أبوه بوصلة، فأدرك منذ ذلك الحين أن هناك “قوة غامضة” في الفضاء تؤثر على إبرة البوصلة وتقوم بتحريكها في كل الاتجاهات، وراح يقرأ بشغف المزيد من الكتب العلمية، وتولى اثنان من أعمامه رعايته ودعم اهتمامه العالمي، فزوداه بكتب في مجال العلوم والرياضيات.

وانتقلت العائلة في تلك الفترة للعيش في مدينة “بافيا” الإيطالية، ثم إلى “ميلانو”، بحثا عن الرزق، وأنهى آينشتاين دراسته الثانوية في مدينة “آروا” السويسرية المجاورة، وتقدم بعدها إلى امتحانات “المعهد الاتحادي السويسري للتقنية” في مدينة “زيورخ” عام 1895، وأحب طرق التدريس فيه، وكان كثيراً ما يقتطع من وقته ليدرس الفيزياء بمفرده، أو ليعزف على كمانه، وتنازل طوعا عن جنسيته الألمانية في عام 1896، حتى لا يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية التي كان يكرهها بشدة، وحصل على الجنسية السويسرية، إلى أن اجتاز الامتحانات وتخرج في هذ المعهد عام 1900، وعمل في مهنة التدريس. (2)

ويقول مؤرخو سيرته الذاتية، إن جرأة آينشتاين في شبابه التي وصلت أحيانا حد الوقاحة، حالت بينه وبين الحصول على عمل مناسب في سلك التدريس، لكن حصل بمساعدة والد أحد زملائه في الدراسة على وظيفة فاحص “مُختبِر” في مكتب تسجيل براءة الاختراعات السويسري في عام 1902، ولم يكن ضمن الموظفين الأساسيين للمكتب، بل كان يعمل مؤقتا وبلا عقد.  

وتزوج آينشتاين من صديقة له تدعى “ميلِفا” في 6 يناير 1903، ورُزق منها بابن حمل اسم “هانز” بعد عام من زواجه. وفي هذه الأثناء أصبح عمله في مكتب التسجيل السويسري دائماً، وقام بالتحضير لرسالة الدكتوراه في نفس الفترة، وتمكن من الحصول على شهادة الدكتوراه في عام 1905 من جامعة زيورخ، وكان موضوع الرسالة يدور حول أبعاد الجزيئات.

وفي العام نفسه، كتب آينشتاين 4 مقالات علمية مهمة دون الرجوع للكثير من المراجع العلمية أو التشاور مع زملائه الأكاديميين، وتعد هذه المقالات العلمية اللبنة الأولى للفيزياء الحديثة التي نعرفها اليوم. فقد درس الرجل فيها ما يُعرف باسم “الحركة البراونية”، فقدم العديد من التنبُّؤات حول حركة الجسيمات الموزعة بصورة عشوائية في السوائل، وما يُعرف باسم “المفعول الكهروضوئي”.

وترقى عالم الرياضيات في السلك الوظيفي من “مُختبِر” إلى فني مختبر أول، ثم إلى مرتبة فاحص فني، وفي عام 1908 مُنح إجازة لإلقاء الدروس والمحاضرات من “بيرن” في سويسرا، وكانت هذه هي بدايته الأكاديمية الحقيقية.

ورُزق آينشتاين بابنه الثاني “إدوارد” في سنة 1910، غير أنه طلق زوجته ميلِفا أم طفليه فيما بعد، وتزوج بعدها من ابنة عمه “إلزا لوينثال” التي تكبره بثلاث سنوات في نفس العام، وأُصيب أحد نجليّه بمرض انفصام الشخصية، ومات فيما بعد في مصحة للأمراض العقلية. أمّا الابن الثاني، فقد انتقل إلى ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وأصبح أستاذا جامعيا. (3)

وفي عام 1914، وقبيل الحرب العالمية الأولى، استقر آينشتاين في مدينة “برلين” الألمانية، ولم يكن من دعاة الحرب ولكنه كان من أصل يهودي، ما تسبب بشعور القوميين الألمان بالضيق تجاهه، وتأجج هذا الامتعاض عندما أصبح الرجل معروفا على المستوى العالمي بعدما خرجت مجلة “التايم” الأمريكية في عددها الصادر في 7 نوفمبر 1919 بمقال يؤكد صحة نظرية آينشتاين المتعلقة بالجاذبية، والتي استكمل فيها جهود سلفه إسحاق نيوتن.

وبعد عمل دؤوب، أكمل آينشتاين  نظرية “النسبية العامة” عام 1916، واستغرق الأمر سنوات طويلة حتى أكدت التجارب توافق النظرية مع نتائج الرصد لاسيما انحراف الضوء بسبب الأجسام ذات الكتلة الكبيرة. وبعد 5 أعوام حصل على جائزة “نوبل” في الفيزياء عام 1921، تقديرا لاكتشافه قانون “التأثير الكهروضوئي” الذي أظهر انبعاث الجسيمات المشحونة كهربيا “أيونات وإلكترونات” من وإلى المواد التي تمتص الإشعاع الكهرومغناطيسي.

وتصاعدت الكراهية تجاه اليهود بوصول “هتلر” إلى السلطة عام 1933، فاتهم النازيون آينشتاين بتأسيس ما أسموه “الفيزياء اليهودية”، كما حاول بعض العلماء الألمان النيل من حقوقه الأدبية في نظرياته، الأمر الذي دفعه للهرب إلى الولايات المتحدة التي منحته إقامة دائمة، وهناك انخرط في العمل بـ”معهد الدراسات المتقدمة” التابع لجامعة برينستون في ولاية نيو جيرسي، وكتب رسالة شهيرة إلى الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، نبهه فيها إلى ضرورة الإسراع في إنتاج القنبلة النووية قبل الألمان. وفي عام 1940، صار مواطنا أمريكيا مع احتفاظه بجنسيته السويسرية.

“مشاغب” في الوطن الجديد

كانت مواقف آينشتاين من القضايا السياسية متقلبة، وغير ثابتة، وينبغي هنا التوقف عندها قليلا لإبراء ذمته، فقد كان الرجل كما قال معاصروه ينظر إلى نفسه باعتباره “فنانا” في مجال الرياضيات، خصوصا في أخريات حياته، ولم يكن هو نفسه يعوّل كثيرا على آرائه السياسية. (4)

ومن ذلك أنه أعرب في مطلع حياته، وخلال عدة مناسبات، عن حماسه لـ”المشروع الصهيوني” وتأييده لإنشاء دولة إسرائيل على الأرض العربية المغتصبة، بل إنه اشترك في عدة نشاطات صهيونية، ولكن موقف هذا تغيّر فيما بعد، حيث صرح مرارا بأن “الصهيونية مرض طفولي”، وبأن الطبيعة الأصلية لليهودية تتعارض مع فكرة إنشاء دولة ذات حدود وجيش وسلطة دنيوية.

كما أعرب عن مخاوفه من الضرر الذي ستتكبده اليهودية، إذا ما تم تنفيذ البرنامج الصهيوني، داعيا إلى ضرورة الحفاظ على الجماعات اليهودية المنتشرة في أرجاء العالم، وعلى تراثها الثقافي، ومؤكدا إمكانية التعايش بين اليهود وغيرهم من أصحاب الديانات في كل أرجاء العالم، وحذر الرجل الصهاينة من تجاهل المشكلة العربية، ونصحهم بأن يسعوا إلى التعاون مع العرب وإلى عَقْد “مواثيق شرف” معهم.

وبعد تأسيس إسرائيل، وتحديدا في عام 1952، عُرض على آينشتاين تولي منصب رئيس الدولة لكنه رفض ذلك، وفضّل عدم الانخراط في السياسة، قائلا: “أنا رجل علم، ولست رجل سياسة”، بل قدم عرضا من عدة نقاط للتعايش بين العرب واليهود في فلسطين المحتلة.

وفي أخريات حياته، اتهمته المخابرات الأمريكية بأنه “ذو ميول شيوعية”، لأنه وجه انتقادات لاذعة للنظام الرأسمالي الذي لم يكن يروق له. وذات يوم كتب آينشتاين في رسالة إلى ملكة بلجيكا: “لقد أصبحت مشاغبا في وطني الجديد لأنني لا أستطيع الصمت على كل ما يحدث هنا من مظالم“.

وتُوفي ألبرت آينشتاين في 18 أبريل 1955، عن 76 عاما،  وأُحرِق جثمانه بناء على وصيته في مدينة “ترينتون” في ولاية “نيو جيرسي” ونُثر رماده في مكان غير معلوم.

والآن، ورغم مرور أكثر من 70 عاما على وفاته، باتت “نظرية النسبية” التي طورها الرجل والتي غدت أساس تطوير الطاقة النووية والأسلحة الذرية، أشهر نظرية في الرياضيات، وهناك أكثر من 240 كتابا ضمن قائمة الكتب التي تعرضها شركة “أمازون” لتجارة الكتب عبر شبكة الإنترنت تحمل اسم “آينشتاين” في عناوينها، وموقع “جوجل” للبحث على الإنترنت يضم 641 ألف موقع على الإنترنت ترتبط باسمه، كواحد من أشهر و”أغرب” مشاهير التاريخ الإنساني في كل العصور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • والتر إيزاكسون “آينشتاين حياته وعالمه” ترجمة هاشم أحمد- الناشر “مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة” القاهرة- الطبعة الثالثة 2011.
  • موقع “معرفة”
  • موقع “ويكيبيديا”
  • المصدر السابق “ويكيبيديا”
  • “آينشتاين حياته وعالمه”، مصدر سابق