الأربعاء , أغسطس 21 2019
الرئيسية / كتب Books / كتب عربية Arabic books / أداب / أرخبيلات ما بعد الحداثة.. رهانات الذات الإنسانية

أرخبيلات ما بعد الحداثة.. رهانات الذات الإنسانية


أرخبيلات ما بعد الحداثة.. رهانات الذات الإنسانية

 

 

 

أرخبيلات ما بعد الحداثة.. رهانات الذات الإنسانية

 

يتمثّل راهننا اليوم في التأمل داخل تطوّر حلقات الأسئلة المتّصلة بالمجتمعات المعاصرة من ناحية العرق أو الجندر أو الهوية والغيرية التي تتزامن حالياً مع حقبة ما يُسمى «ما بعد الحداثة». هذه الأخيرة التي شاع استعمالها في الأدبيات الأنجلوسكسونية منذ الخمسينات. وتضاعف بريقها وربت شعبيتها أكثر في الثمانينات، بعدما نشر الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار مقاله الموسوم: (شرط ما بعد الحداثة: بحث حول المعرفة- 1979). فجاءت ما بعد الحداثة، لتعمّق من فكرة نهاية رؤية التّاريخ، مدفوعة بفكرة التقدم والعقل، كاشفة عن تطور جديد لأجهزة الموضوع الجمالي الذي يقع بين مجالين رئيسين، هما: موت الذات (عدم تجانس الأنواع والخطابات، والرؤى الجديدة للزمان والمكان والشخصيات) ونهاية الميتاسرديات (تفكيكية الدوغمائيات الحديثة من خلال تطوير الفلسفة النسوية وما بعد الكولونيالية).

وتشكّلت موجات ما بعد الحداثة على أرضية الشّك في المعرفة الموضوعية والحقيقة العلمية، لتُلامس نتائجَ عدم وجودِ يقينٍ بشأن إمكانيتها وصلاحيتها للعمل الإنساني في العالم. فكلّ شيء في نظرها نسبيّ متعدّد ومحتمل، فهي تحاول أن تُسائِل كلّ ما هو عقلانيّ حول اللغة والتواصل، وتطعن في إمكانية تحديد واضح وبسيط للفهم، لتنفتح على التأويل والاحتمال، وتبدّد أيّ انخراط لأيّ شكلٍ من الأشكال العملية التي تطالب بالاعتقاد في شيء ما والتّشبّث بمسلماته وأسُسِه، لنشدان العالمية، وذلك مثل مفاهيم حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية. ويرتكز جدول أعمال ما بعد الحداثة أساساً على استجواب المفاهيم والتصوّرات الديكارتية حول المعرفة والعقل والحقيقة. وتجاوز التّمركز حول دوائر العقل لتهتم بالأطراف والهوامش، فتصبح هذه المطالبات شاغلاً فلسفياً يرتبط بتجاوز التقليدي وخلخلة يقينياته.

لقد فتحت سياسات ما بعد الحداثة آفاقاً جديدة للتفكير في طبقات مختلفة وغير مستقرّة، ودعت إلى الخلخلة والتفكك أو الارتجاج واللاّاستقرار، مُتسبّبَةً بضربات موجعة للنزعات العلمية والتّوجهات الكليانية والشمولية. من هو الإنسان؟ وما الإنساني؟ وما الذّات الإنسانية؟ لعلّها تمثل أكثر التساؤلات إلحاحاً على مثقّفي عصر ما بعد الحداثة، وتغطّي حيّزاً هائلاً من طروحاتهم المتعلّقة بحقوق الأفراد وأخلاقيات التّعامل مع المتنوع إنسانياً. والتماس الاختلاف عن سابقاتها الحداثية أو البنيوية أو الوجودية؛ هو نوع من التّحقيق في طبيعة الإنسان، والكشف عن اختلافاته، وتفكيك الثبات الذي انتهى إليه العقل الإنساني. وتمثل هذه الأسئلة حدثاً فلسفياً جللاً، لا يبحث عن إجابة أو يقين بقدر ما يلهث وراء سيلٍ من التساؤلات التي تحيط أكثر بحدود وملامح ما استشكل عليه، لا لتحدّدها في جوهرها، ولكن لتحثّ الأجيال القادمة على مواصلة مباحث الأشكلة والتساؤلات التي لا يخرس صوتها. كما قال ميشال فوكو، فقد حان الوقت للاستيقاظ من أوهام الحداثة، لوضع جدول أعمال فكري جديد يسلك طرائق وسبل مغايرة في صوغ الأسئلة، غير مبال بإيجاد إجابات شافية وافية لها. وهو ما يتطلّب تفكيك التّصور الأنتروبولوجي للإنسان، وهو ما تدعمه جوليا كريستيفا كذلك فيما تطلق عليه بالثورة الأنتروبولوجية للإنسان. وهو ما يدور في حلقة معادية للإنسانية التي أسّستها البنيويات أو الحداثة، لتفحص بشكل جادّ وطارئ الدّستور الإنساني. وهذا ما جعل توجّهات ما بعد الحداثة بمختلف ألوانها تعيش مخاضاً عسيراً، وواقعاً حرجاً، لكنها ظلّت مع ذلك تحظى بشعبية قوية خصوصاً في الوسط الفكري الأمريكي، لِتَنَاسُبِها الكبير مع اتّساع جغرافية الحريات.

في ثنايا هذا الكتاب، تمّ وصف التّحولات النموذجية المختلفة التي أصابت دوائر الثقافة والسياسة والفلسفة واللغة والهوية وحقول التواصل والتفاعل والسوسيولوجيا. وعادة ما نجد أنّ الفكر ما بعد الحداثي حمل عبر هذه التخصصات هدفاً متماسكاً نسبياً يتمثّل في أشكلة ونقد التوجّهات الفلسفية ووضعها موضع تساءل وتجريح وانتقاد. ومنه يتّسم هذا الفكر بالشّك والاختلاف والمقاومة. وبالتالي لا يمكننا أن ننتظر من الفكر ما بعد الحداثي أيّ نزعة علمية أو موضوعية أو غاية نسقية وانتظامية، بقدر ما نُفاجأ بلا استقراريته، ووعورة جغرافيته، وتعدّدياته، عبر الثقافة وإنتاجها.

أثناء انتقالنا في فصول هذا الكتاب، بين مفكرين وفلاسفة بارزين أمثال: دريدا وإريغاراي وأركون وكريستيفا وليفناس؛ نشهد نقداً لتأسيس المعنى المطلق أو الحقيقة المطلقة، المشيّدة مركزياً، الثّابتة والمتأصلة غير القابلة للتّغيير والتّحويل والإزاحة. والبديل الذي يقترحه أصحاب هذا المذهب في أن الحقيقة ليست أصلية وليست واحدة وحيدة، بقدر ما هي ديناميكية، متعدّدة ولانهائية، مؤجّلة وغير قابلة للوصول الحتميّ.

كما تطرّقنا باهتمام في هذا الكتاب إلى ابتكار الآخر والغيرية، حيث منحنا لهذه الأخيرة نصيباً وافراً لمعالجة إشكالاتها السياسية وقضاياها الأخلاقية والجندرية، وفحص أساليبها في الفكر والفن والكتابة، بإعادة قضية الغير إلى المشهد الفكري بشكل حادّ، جادّ، وملحّ. فأضحى الآخر الغريب لازمة فكرية في عصر الاختلاف، الذي لا يبحث أو يؤسّس للواحد بقدر ما يحاول أن يتعاطى مع الواحد المزدوج. وهو ولع وتعلّق بالآخر في غيريته، في تشكيلة المستحيل، هي نظرات ما بعد حداثية ثائرة أكثر من أيّ وقت مضى وبشكل هستيري على مركزيات الذّات وأساطير الأنا، لتحقّق نوعاً من المقاومة لهذه الثقافة الأحادية وتشتغل كعقل مضادّ لهذه الهيمنة والمركزية.

ومن جوانب متعدّدة، بين تفكيك الثّوابت، إلى معالجة التّداولي ومناقشة البُعد التواصلي، مروراً برهان الإتيقي وقلق النّسوي وسطوة السياسي وسرديات التّاريخي؛ نمضي في نصيّات مكتظّة بصعوبات حادّة وقضايا متناقضة غير قابلة للحسم، لترجمة خوالج الذّات وتمزّقاتها، أو انعكاس وقائعها وتجلّياتها. تُصوّر لنا فصول هذا الكتاب وقْعَ النزعة النيتشوية على تيّار ما بعد الحداثة، فترسم لنا فكراً متزَعزِعاً وجغرافيات متناثرة، كأرخبيلات تستعصي على التّحديد والتمثيل، مقتربة من التيه والاختفاء.

وكانت قد كُتِبت هذه الدّراسات بين 2010 و2015، منشورة في كتب جماعية بلبنان والجزائر والبحرين والعراق، أو محاضرات أُلقيت في ندوات بالمغرب أو الدّوحة أو عمّان. أضفنا إليها بعض الحوارات والدّراسات الفكرية الجديدة والمترجمة، وقد وزّعناها على فصولٍ تنسجم مع مطالبها وتلائم إشكالاتها.

الناشر: دار الرافدين، 2016.

المجلة العربية

 

موقع موهوبون دوت نت


شاهد أيضاً

لماذا ملأت صور الشاب السعودي شوارع أمستردام؟

لماذا ملأت صور هذا الشاب السعودي شوارع أمستردام؟

لماذا ملأت صور هذا الشاب السعودي شوارع أمستردام؟ اختارت بلدية مدينة أمستردام الهولندية الشاب السعودي …