الثلاثاء , يناير 19 2021
الرئيسية / مبدعون / ادب / جبران خليل جبران .. النبي

جبران خليل جبران .. النبي


شاعر، واديب، وفيلسوف لبناني امريكي، عالج الأمور بمنطق إصلاحي استوحاه من فهمه الخالص لتعاليم الأديان السماوية، وشرائع الشعوب الحرة، توجه إلى الإنسانية جمعاء مخاطباً النفس البشرية في جميع نزعاتها وأهوائها في كل زمان ومكان، داعياً إلى الإصلاح والعدالة، كان فيلسوفا يسبر غور الوجود، وينفذ إلى حقائق الإنسان ويكتشف عظمته وطاقته على التغيير والخلق والإبداع، زكان ثائرا ضد الاستغلال والتسلط والاستعباد، وضد الطائفية والتعصب، كما كان وطنيا يرفع راية الحرية والكرامة والوحدة الوطنية.

ولد جبران خليل جبران في أسرة صغيرة فقيرة في بلدة بشري في 6 يناير عام 1883م وكان والده راعيا للماشية، ولكنه صرف معظم وقته في السكر ولم يهتم بأسرته التي كان على زوجته "كميلة"، وهي من عائلة متدينة، ان تعتني بها ماديا ومعنويا وعاطفيا، ولذلك لم يرسل جبران إلى المدرسة، بل كان يذهب من حين إلى آخر إلى كاهن البلدة الذي سرعان ما أدرك جديته وذكاءه فانفق الساعات في تعليمه الأبجدية والقراءة والكتابة مما فتح أمامه مجال المطالعة والتعرف إلى التاريخ والعلوم والآداب.

ولم يكف العائلة ما كانت تعانيه من فقر وعدم مبالاة من الوالد، حتى جاء الجنود العثمانيون والقوا القبض عليه وأودعوه السجن، وباعوا منزلهم الوحيد، فاضطرت العائلة إلى النزول عند بعض الأقرباء، ولكن الوالدة قررت ان الحل الوحيد لمشاكل العائلة هو الهجرة إلى الولايات المتحدة سعيا وراء حياة أفضل.

وصلت العائلة إلى نيويورك في 25 يونيو عام 1895م ومنها انتقلت إلى مدينة بوسطن حيث كانت تسكن اكبر جالية لبنانية في الولايات المتحدة، وبذلك لم تشعر الوالدة بالغربة، بل كانت تتكلم اللغة العربية مع جيرانها، وتقاسمهم عاداتهم اللبنانية التي احتفظوا بها.

واهتمت الجمعيات الخيرية بإدخال جبران إلى المدرسة، في حين قضت التقاليد بأن تبقى شقيقتاه في المنزل، وبدأت الوالدة تعمل كبائعة متجولة في شوارع بوسطن على غرار الكثيرين من أبناء الجالية، وبدأت أحوال العائلة تتحسن ماديا، وعندما جمعت الأم مبلغا كافيا من المال أعطته لابنها بطرس الذي يكبر جبران بست سنوات وفتحت العائلة محلا تجاريا.

كان معلمو جبران في ذلك الوقت يكتشفون مواهبه الأصيلة في الرسم ويعجبون بها إلى حد ان مدير المدرسة استدعى الرسام الشهير هولاند داي لإعطاء دروس خاصة لجبران مما فتح أمامه أبواب المعرفة الفنية وزيارة المعارض والاختلاط مع بيئة اجتماعية مختلفة تماما عما عرفه في السابق.

وكان لداي فضل اطلاع جبران على الميثولوجيا اليونانية، والأدب العالمي وفنون الكتابة المعاصرة والتصوير الفوتوغرافي، ولكنه شدد دائما على ان جبران يجب ان يختبر كل تلك الفنون لكي يخلص إلى نهج وأسلوب خاصين به، وقد ساعده على بيع بعض إنتاجه من إحدى دور النشر كغلافات للكتب التي كانت تطبعها، وقد بدا واضحا انه قد اختط لنفسه أسلوبا وتقنية خاصين به، وبدأ يحظى بالشهرة في أوساط بوسطن الأدبية والفنية، ولكن العائلة قررت ان الشهرة المبكرة ستعود عليه بالضرر، وانه لا بد ان يعود إلى لبنان لمتابعة دراسته من أجل إتقان اللغة العربية.

وفي عام 1898م وصل جبران إلى بيروت وهو يتحدث لغة إنجليزية ضعيفة، ويكاد ينسى العربية أيضا، فالتحق بمدرسة الحكمة التي كانت تعطي دروسا خاصة في اللغة العربية، ولكن المنهج الذي كانت تتبعه لم يعجب جبران فطلب من إدارة المدرسة ان تعدله ليتناسب مع حاجاته، وقد لفت ذلك نظر المسؤولين عن المدرسة، لما فيه من حجة وبعد نظر وجرأة لم يشهدوها لدى أي تلميذ آخر سابقا، وكان لجبران ما أراد، ولم يخيب أمل أساتذته إذ اعجبوا بسرعة تلقيه وثقته بنفسه وروحه المتمردة على كل قديم وضعيف وبال.

تعرف جبران على يوسف الحويك واصدرا معا مجلة "المنارة" وكانا يحررانها سويا فيما وضع جبران رسومها، وبقيا يعملان بها معا حتى أنهى جبران دروسه بتفوق واضح في العربية والفرنسية والشعر عام 1902م.

توالت بعد ذلك الازمات على جبران حيث توفيت شقيقته وتبعها شقيقه ثم والدته بالإضافة إلى أزمة من نوع آخر كان يعيشها جبران، حيث كان راغبا في إتقان الكتابة باللغة الإنجليزية، لأنها تفتح أمامه مجالا ارحب كثيرا من مجرد الكتابة في جريدة تصدر بالعربية في أميركا  ولكن انجليزيته كانت ضعيفة جدا ولم يعرف ماذا يفعل، فكان يترك البيت ويهيم على وجهه هربا من صورة الموت والعذاب، وزاد من عذابه ان الفتاة التي كانت تربطه بها صلة عاطفية، وكانا على وشك الزواج منها، عجزت عن مساعدته عمليا، فقد كانت تكتفي بنقد كتاباته الإنجليزية ثم تتركه ليحاول إيجاد حل بمفرده، في حين ان صديقه الآخر الرسام هولاند داي لم يكن قادرا على مساعدته في المجال الأدبي كما ساعده في المجال الفني.

وأخيرا تعرف جبران علي امراة اسمها ماري هاسكل، فبدات مرحلة جديدة من حياة جبران، حيث كانت ماري هاسكل امرأة مستقلة في حياتها الشخصية وتكبر جبران بعشر سنوات، وقد لعبت دورا هاما في حياته منذ ان التقيا، فقد لاحظت ان جبران لا يحاول الكتابة بالإنجليزية، بل يكتب بالعربية أولا ثم يترجم ذلك، فنصحته وشجعته كثيرا على الكتابة بالإنجليزية مباشرة، وهكذا راح جبران ينشر كتاباته العربية في الصحف أولا ثم يجمعها ويصدرها بشكل كتب ، ويتدرب في الوقت نفسه على الكتابة مباشرة بالإنجليزية.

وفي عام 1908م غادر جبران إلى باريس لدراسة الفنون وهناك التقى مجددا بزميله في الدراسة في بيروت يوسف الحويك، ومكث في باريس ما يقارب السنتين ثم عاد إلى أميركا بعد زيارة قصيرة للندن برفقة الكاتب أمين الريحاني.

وفي عام 1910م اقترح جبران على ماري هاسكل الزواج والانتقال إلى نيويورك هربا من محيط الجالية اللبنانية هناك والتماسا لمجال فكري وأدبي وفني أرحب، ولكن ماري رفضت الزواج منه بسبب فارق السن، ووعدته بالحفاظ على الصداقة بينهما ورعاية شقيقته مريانا العزباء وغير المثقفة.

وانتقل جبران إلى نيويورك ولم يغادرها حتى وفاته، وهناك عرف نوعا من الاستقرار مكنه من الانصراف إلى أعماله الأدبية والفنية فقام برسم العديد من اللوحات لكبار المشاهير، وفي عام 1923م نشر كتاب جبران باللغة الإنجليزية، وطبع ست مرات قبل نهاية ذلك العام ثم ترجم فورا إلى عدد من اللغات الأجنبية، ويحظى إلى اليوم بشهرة قل نظيرها بين الكتب.

وبقي جبران على علاقة وطيدة مع ماري هاسكال، فيما كان يراسل أيضا الأديبة مي زيادة التي أرسلت له عام 1912م رسالة معربة فيها عن إعجابها بكتابه " الأجنحة المتكسرة". وقد دامت مراسلتهما حتى وفاته رغم انهما لم يلتقيا أبدا.

وتوفي جبران في 10 ابريل من عام 1931م في إحدى مستشفيات نيويورك وهو في الثامنة والأربعين من عمره و نقل جثمانه إلى بلدته بشري حيث استقبله الأهالي واصبح ضريحه متحفا ومقصدا للزائرين.

ومن اهم الاعمال التي تركها جبران "دمعة وابتسامة"، و"الأرواح المتمردة"، و"الأجنحة المتكسرة"، و"العواصف"، و"البدائع والطرائف" وهي مجموعة من مقالات وروايات تتحدث عن مواضيع عديدة لمخاطبة الطبيعة ومن مقالاته "الأرض"، و نشر في مصر عام 1923م ومن مؤلفاته باللغة الانجليزية "النبي" وهو مكون من 26 قصيدة شعرية وترجم إلى ما يزيد عن 20 لغة "المجنون"، "رمل وزبد"، و"يسوع ابن الانسان"، و"حديقة النبي"، و"أرباب الأرض"، و"السابق"
و"آلهة الأرض"، و"التائه".


شاهد أيضاً

طالبتان من الإمارات تبتكران حلًا لمساعدة ضعاف البصر وتفوزان بجائزة جيمس دايسون

طالبتان من الإمارات تبتكران حلًا لمساعدة ضعاف البصر وتفوزان بجائزة جيمس دايسون

نالت الطالبتان الجامعيتان “مريم مصطفى” و”ندى الداش” من الجامعة الأمريكية في الشارقة، جائزة “جيمس دايسون” …